ساحة الأدب والخواطر

الصَّفْقَة✍️ للأديبه المصرية عزة أبو العز

زوجك لن يعود إلا إذا ماتت كفيلته".،،، سمعتها فجُن جنوني، فلم تكن الكفيلة ضمن صفقتنا الخاسرة

البيرق : بقلم الكاتبة عزه ابو العز

 

لم يمنعها الحياء من التحدث بجرأة امرأة مجروحة، لم تجد مَنْ يُنصفها، أو يتدخل لإنقاذ حياتها الزوجية من الفشل، ووسط الجلسة العرفية التي عقدت في بيت أحد أعيان القرية للصلح بينها وبين زوجها العائد من إحدى دول الخليج، بعد عشرين عامًا متواصلة من الغربة، ليجد نفسه فاقدًا لكل شيء (بلا بيت، بلا رصيد في البنك، بلا سمعة جيدة بين الناس) فقالت للحضور:
– هل تبحثون عن الحقيقة؟ سوف أريحكم وإياه، بشرط، بعد سماعكم، أريد تعويضًا مناسبًا يساوي حجم معاناتي على مدى السنوات المريرة الماضية.
ونظرت إلى زوجها نظرة تَشَفٍّ، وكل جسمها يتصبب عرقًا كالمحمومة التي تهذي، وقالت:
– من أنت؟ هل أنت عبد الواحد المعلم الطيب المكافح الذي فضَّلته على كل مَن تقدم لخطبتي؟ أم عبد الدينار والريال ونساء الغربة المتوفرات؟
قاطعها بغضب، وصرخ فيها:
– ومن ألح عليَّ لأكون عبد هؤلاء ألست أنت؟!
من التي منعت نزولي بحجة ضرورة تكملة أعمال البناء للدور الثاني، ثم الثالث، ثم التشطيب اللوكس الذي يحتاج لعشرات الآلاف؟
مَن التي كانت تقول وتلح: خليك لا تنزل الإجازة، وقم بإعطاء أولاد الشيوخ دروسًا للتقوية المدرسية، وسوف تجمع أموالاً كثيرة.. ألست أنت؟
مَنْ التي قالت: لدينا بنت تحتاج لشوار، وأنت تعلم وضع بلدتنا في الجهاز، ومنافسة الأسر لبعضها البعض، ويحتاج منا (النيش والمطبخ والأجهزة الكهربائية والسجاد والنجف) آلافًا مؤلفة.. ألست أنت؟
من التي بالغت في شراء المصوغات الذهبية، وكأننا سنفتح محلاً للبيع والشراء.. ألست أنت؟
ردت بغيظ وانفعال: نعم، فعلت، واشتريت أفضل شوار مخزّن الآن لابنتك لحين عرسها.
ضحك ساخرًا: عرسها؟! أي عريس سيأتي لعروسة أمها موصومة بسمعة سيئة كسمعتك الآن، بعد أن سرقت أموال سنوات الغربة والشقا من زوجها؟
رد كبير الجلسة قائلاً:
– يا جميلة يا بنتي الخطأ مشترك، فهو ظل في غربته بالاتفاق معك، وليس غصبًا عنك، والدليل أنه مكَّنك من كل أمواله وأنتِ سرقتِ.
هنا بكت جميلة بصوت واهن، والتفتت إليهم، وقالت بأسى: مَنْ سرقَ مَنْ؟!!
أعلم أن بعضكم يراني شيطانة، تفوقت على إبليس في التفكير والتدبير والتنفيذ بالطريقة التي استوليت بها على بيته وفلوسه بالتوكيل العام الذي منحه لي، ومنكم مَنْ صدّق نمّ نساء القرية علي بالباطل، وقد بلغ بهن الأمر النهش في عرضي، مرددات مرة: جميلة لا تريد عودة زوجها لتظل ماشية المشي البطال، ومرة أخرى: لقد طفش عبد الواحد من جميلة لكثرة طلباتها ولنكدها.
قاطعها الزوج بغضب وصراخ:
– أنت السبب، أنت السبب، أنت مَنْ سرقت، أنت مَنْ خان الأمانة، واستولى على شقا عمري، ولابد من تصويب الأمر.
فقذفت جميلة فى وجه زوجها والحضور سرًّا أخْفته عن الجميع، حتى عن أولادها، وقالت منفعلة:
– فعلت ما فعلته من أجل أولادي، نعم أنا من أشارت عليك بالسفر، وأنا من صممت على بناء بيت يليق بولديَّ، وجهاز لابنتي ليس له مثيل في القرية كلها، ورصيد في البنك يضمن مستقبلهم.
ثم قفزت من جلستها، وتوجهت له مرددة بصوت عاتب:
– ولكني لم أقل لك عش هناك على مزاجك وكما يحلو لك، لم أقل لك أنقل كفالتك على سيدة، واترك مهنة التدريس وتحول لسائق الهانم الثرية، حتى بعد أن أدركت خطئي، ورجوتك وتوسلت إليك بأن تعود لأنني لم أعد قادرة على تحمل بعدك عني، ولا خوض نساء القرية في عرضي، ولكنك لم تسأل عني.
طلبت من الجميع مساعدتي، ولم يستجب أحد، طلبت من إخوتك أن يساعدوني في عودتك، فكان ردهم: أنت السبب فى سفره، وكل فلوسه تحت تصرفك، أقنعيه بالعودة كما أقنعتِه بالسفر، ولم أجد منهم سوى اللوم والشماتة في كل حوار.
حاولت جاهدة أن أعرف أخبارك ممن يعودون، ولكنك كمن تبخرت أخباره عن الجميع، ولم يفدني أحد بأي معلومة عنك.
علمت أنك قدمت على طلب معاش مبكر من عملك هنا، منعت اتصالاتك بي، واكتفيت بالتواصل مع أولادك على فترات متباعدة.
ثم خاطبت الحضور بدموعها، والكل متعلق بحديثها:
ذهبت لأقرب صديق له، فأشفق عليَّ للحالة التي أصبحت عليها من وهَن وضعف جسدي وحالة نفسية سيئة، فقال لي عبارة واحدة: “زوجك لن يعود إلا إذا ماتت كفيلته”.
سمعتها فجُن جنوني، فلم تكن الكفيلة ضمن صفقتنا الخاسرة.

٧ سبتمبر ٢٠٢٠م
قصة الصفقة من مجموعة  ” نزف الوردةللأديبة المصرية عزة أبو العز .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock