مقـالات وكـتاب

النــور الـذي اتَّــبــعــوه (1/2 ) بقلم ✍ الشيخ منصور ال هاشم

البيرق :✍ الشيخ منصور ال هاشــم

 

في التاريخ البشري عظماء يستحقون التخليد والإطراء والذكر، لم تأت عظمتهم من فراغ.

العظماء تحركهم أهداف عظيمة نبيلة ويحملون صفات الكمال التي تعينهم على تحقيق أهدافهم وغايتهم . حملوا من أجلها المتاعب الكبيرة والصعاب في سبيل تحقيقها ،حتى حققوا النجاح وبلغوا الغاية والمراد. العظماء لا يبحثون عن المال ولا عن الرئاسة ولا عن الشهرة .

العظماء يهتمون بالقيم والأخلاق والفضائل، ويبعثون فيها الروح لتسري في المجتمعات، لينعم الناس بالحياة والامن والاستقرار.
رسول الله ﷺ هو سيد العظماء بلا مِــرَاء ولا مُــنَـازعٍ ﷺ.

جاءت عظمة رسول الله ﷺ من رسالته التي جاء بها وسُــمُــوِّهَا ،فجاء ﷺ لِــيُــتَـمِـمَ مكارم الأخلاق. : (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. و في رواية صالح ) الأخلاق)[1]

جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور : ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [2] هذه عظمة ابن عبد الله ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ عظمته أنه يتصل بالسماء والسُّــمُو. فمن يساويه ومن يدانيه ومن يشبهه إلا اخوانه الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة ، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
اختاره الله ليكون سفيرا بينه وبين عباده ، اختاره ليكون رسولا عبدا ،متواضعا.

خيَّره رَبُّـــه فاختار: (جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء فإذا ملك ينزل فقال جبريل إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة فلما نزل قال يا محمد أرسلني إليك ربك قال أفَــمَــلَــكـا نبيا يجعلك، أو عبدا رسولا. قال جبريل تواضع لربك يا محمد . قال بل عبدا رسولا) [3]

جاء محمد، رسول الله ﷺ إلى الناس في قيظ الحياة وجدبها من الأخلاق والمكارم والقِــيَــم.
أيّ سِرٍّ جعل منه إنسانًا يشرِّف بني الإنسان؟! لقد كان النور والشمس زاهية في عليائها وبهائها. جاء ﷺ بالنور المبين والسراج المُــنِـير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا *وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾[4] هذا هو سِـــرُّ عظمة رسول الله ﷺ .
لقد آتاه الله من نعمته وفضله ما جعل منه رسولا يتحدث باسم الله ، ومن ثمَّ كان فضل الله عليه عظيمًا! إنه رسول الله، وكفى.
ما الذي جعل سادة قومه يسارعون إلى دعوته ودينه ويؤمنون به ويصدقونه؟!.
أبو بكرٍ وطلحة والزبير وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، تاركين ما كان يحيطهم به قومُهُم من مجد وجاه، وفي ذات الوقت يرضون بحياة تمور مورًا بالصعاب وبالصراع!
ما الذي جعل الضعفاءَ يهرعون إلى دعوته ويستجيبون له، وهم يعلمون أن الأهوال أمامهم تنتظرهم من أبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأضرابهم، وهم يبصرونه ﷺ أعزلَ من المال والسلاح، لا يملك لهم دفعا ولا نفعا، بل ينْزِل به الأذى فلا يملك له دفعًا .
ما الذي ملأ قلوبهم يقينًا وعزمًا به وما الذي ملآ نفوسهم صبرًا ورضًى بما يلاقون من هول العذاب؟!
ما الذي جعل صفوةَ رجالِ المدينة ووجهاءَها يغدون إليه ليبايعوه على أن يخوضوا معه بِرَك الدم وبحور الهيجاء، وهم يعلمون أن المعركة بينهم وبين قريش ستكون أكبر من الهول.
ما الذي جعل المؤمنين به يزيدون ولا ينقصون.
ما الذي جعلهم يصدقون أن الدنيا ستفتح عليهم أقطارَها، وأن أقدامهم ستخوض خوضًا في ذهب العالم وتيجانه، وأن هذا القرآن الذي يتلونه في استخفاء، ستردده الآفاق، عالي الصدح، ، لا في جيلهم فحسب، ولا في جزيرتهم فحسب، بل عبر جميع الزمان، وجميع المكان.
ما الذي جعلهم يصدقون هذه النبوة التي يحدثهم بها وهم الذين يتلفتون فلا يجدون أمامهم وخلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، سوى القيظِ والسغبِ وحجارةٍ تلفظ فيح الحميم، وشجيراتٍ يابسة طلعها كأنه رؤوس الشياطين.
ما ذلك إلا لأنه رسول الله الذي ارتضاه سفيرا بينه وبين خلقه وجَـمَّله بكريم الخصال .
وثاني الأمرين : ذلك النور الذي جاء به من عند الله ، كلاما لا يشبه قول البشر، ليس بالشعر ولابالنثر، تستقبله المسامع والآذان فيستقر في القلوب ، ثم يسري في سائر الجسد يمده بالإيمان والراحة والطمأنينة ، فيهون على النفوس ما تلاقي من صلف وجلف وعناء وعذاب واضطهاد.
انه كلام الله العزيز الحكيم : ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [5] ما الذي جعل جبارَ الجاهلية عمرَ بنَ الخطاب يَــعْــزِم على قتل رسول الله ﷺ ويأخذ سيفه في يده ،ولكنه في لحظات هي أسرع من لمح البرق يتبدل الحال الذي كان أشبه بالمُــحَــال، فيتلوا عليه زوج أخته آيات يصغي عُــمَـرُ لها سمعه ويرهف لها مسامعه، ويفتح لها قلبه ، فسرعان ما اقتحمته فَــدّبَّ فيه نورالله ورحمته، فإذا بعمر يبصر حقيقة ماحوله.
وما مثاله إلا كمن كان جالسا في غرفة مظلمة شديدة الظلام ،ثم فجأة جاءها نور الكهرباء فأضاءت مصابيحها فإذا هو يدرك ما حوله، حينها يُـــــدْركْ كَــمْ الفرق بين النور والظلام.
ثم بَــدلا من أن يذهب ليقتل رسول الله ﷺ، يـقطف بنفس السيف رؤوسَ أعداء رسول الله ﷺ .
وصــدق الله جل شأنه إذ يقول : ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [6] الذي يعيش في الظلمات لا يدرك ماحوله من الأشياء فما بالك لوكان اعمى واصم .
هنا تكون مصيبته اكبر فلا يدرك قليلا ولا كثيرا.
أرادوا في دار الندوة ليحجبوا ضياء الشمس في عليائها، لكنهم أقزام تَــقْـصُــر أيديهم وقاماتهم عن بلوغها. ستبقى الشمسُ مشرقةً ترسل نورها وسراجها.

المعارضون له في كل جيل وفي كل مكان وفي كل زمان كالنملةِ الحمقاءِ تظنّ أن صراخَها يوقفُ أقدام الفيل : (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ)[7] الأقزام يَــردُّون ماء المحيط بمسحاة لكنه جــرفــهم ، لأنَّــه لايُــقَـاوم.
أردتـم حجب نورِ الكون عَنـَّا *** متى حجبَ الثَّرى نورَ الثُّرَيَّا
آذوه وخاصموه وناصبوه العِـــدَاء ، وأخْــرجُــوه من مَــكة ثم لمَّا عاد مكة فاتحا ودخلها ألقى خصومه السلاح ، ومَـــدَّوا لَــه أعناقهم ليحكم فيهم ما شاء من القتل كما قَــتَلوا ، أومن التَّنكيل كما نكَّلوا ، أو من التعذيب كما عذبوا وآذوا ، فقال لهم قولته المشهورة : ( ما تظنون أني فاعل بكم ) ، قالوا : ( أخ كريم وابن أخ كريم ) ، فرد عليهم بقوله السَّامي الكريم الشامخ شموخ الشمس في عليائها المترفع عن الدَّنايا والأحقاد والانتقام ،ردَّ بـِقَـوْلـــَةَ العفو عند المقدرة : ( اذهبوا فأنتم الطلـقاء ) حديث ضعيف السند ، وضعفه الشيخ الألباني في “الضعيفة” (1163) .
لكن معناه ثبت من طرق أخرى في روايات صحيحة.
وهو : (لما كان يوم حنين، التقى هوازن ومع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء، فأدبروا، قال: يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله وسعديك، لبيك نحن بين يديك، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنا عبد الله ورسوله. فانهزم المشركون، فأعطى الطلقاء والمهاجرين) [8] وأيضا : (الطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والمهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة.) [9] يا للكرم يا للعفو ، يا للتسامح ، يا لرفعة النفس وسمو أخلاقها ، اذهبوا فأنتم الطلقاء ، بهذه البساطة يا رسول الله ، وبهذه السرعة ، بعد كل ما فعلوه ، بعد كل ما آ ذوه ، بعدما شتموه ، بعد أن أجمعوا أن يقتلوه ، بعد ما أخرجوه من أحب البقاع إليه ، وهو الأحق بالبقاء فيها ، بعد كل هذا وأكثر (اذهبوا فأنتم الطلقاء) ، إنَّه والله العجب.

طلقاء ، بلا حساب ، بلا عقاب ، بلا عتاب ، ما كل هذا العفو ، ما هذا القلب الرحيم الذي يحمله رسول الله ﷺ بين جنبيه ، ما كل هذا الصَّفح ، حتى حقَّه في رؤية النصر حرم نفسه منه ، حقا لقد كان ﷺ أخا كريما وابن أخ كريم ، إنها أخلاق النبوة والرسالة ، التي تعلو فوق الضغائن والأحقاد و الانتقام ، ولهذا الخُــلُق الرفيع قال له ربه :
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ شهد له رب السموات والأرض ومن فيهن ، شهادةً ربانية ، علوية ، سماوية ، وليست شهادة سُفْــليَّةً أرضيَّةً تحكمها المصالحُ والأهواء والشهوات والأطماع .
إذا بعد هذا فماذا يستطيع أن يقول المادحون له ﷺ من المدح والثناء والإطراء بعد هذا المدح والإطراء والثناء من ربه الموغل في البلاغة اختصارا وعمقا ومعنىً؟ ، أسمى المعاني وأكملها بأوجز الألفاظ! : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

حقا لقد صنع رسول الله ﷺ التاريخ الذي لا يمحوه مــَرُّ الزمان، أو تطاول لطمسه الأقزام أو الغلمان والصبيان وأعطى ﷺ للأجيال المتعاقبة إلى يوم الدين دروس القدوة، في التربية، في الجهد والجهاد، في تحمل الأذى، في الثبات، في الوفاء، في الصبر ، في التوكل على الله والاعتماد عليه وحده دون سواه ، في الافتقار إلى الله في سائر الأحوال، واللجوء إليه وقت الشدائد والأهوال ، في العفو عن الغاشمين ، والتجاوز عن الظالمين، في الرحمة ، الرحمة ،الرحمة حتى مع الأعداء فضلا عن الأصدقاء، الرحمة مع كل مخلوق ، حتى مع الحيوان والطير.
إنها العـَـظَـمَةُ النادرة تفوق الخيال، وكأن الله سبحانه وتعالى يقول للناس هذا رسولي أليكم وسيلته العقل و المنطق وحجته القرآن وخُلُقُه (الـقُــــــــــرْآن) : العفو والرحمة المتناهية.
هذه حياته كلها لا خفاء فيها عنكم فهي ظاهرة، طاهرة ،باهرة. ﷺ .
هذا هو السر الذي هيَّأه الله له فجعل منه إنسانا شرفا لبني الأنسان قاطبة.
هذا هو معلم البشرية ،هذا هو ( رسول الله ) ﷺ ، هذا هو النور الذي رآه الناس بشرا سويا ــ لا مَــلَـكاً ــ يعيش بينهم يأكل الطعام ، ويسير على قدمية ، جمع الله له من علو الهمة وكرامة النفس و سُــمُـو الخُـلُـق ما وسع اعداءه قبل أحِــبَّـتِه ومحبيه ، و ما تَشرُفُ به الدنيا إلى قيام الساعة أَنْ كان رسولا كريما ،وإنسانا عظيما نبيلا.
سيظل العالم أُمَـما عربا وعجما ما بقى الليل والنهار ينهلون من سيرته ﷺ وتاريخه ومدرسته. وسوف يبقى تاريخه ﷺ عطاء متدفقا و نهرا لا ينضب، وسيرته مشكاةٌ مصباحٌ وهاجٌ يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار، يُشِعُّ ويضيئُ للبشرية بالنور في حوالك الظلم ومسارب الدروب ومدلهمات الخطوب.
ألَاَ إن الذين بهرتهم عظمته ﷺ لمعذورون.
إن عقلاء العالم ومُــفَـكِّـروه شهدوا لهذا الرسول الأعظم والنبي الأكرم ﷺ بالكمال في جميع جوانبه، ورأوه كالطود (الجبل) شاهقا شَــمِـــخًا، عَــــلِـيَّا حتى ملكـتهم الحيرةُ وسَــطَّــرُا العجبُ، هل استطال راسُه ﷺ إلى السماء فلامسها، أم دَنَــــــت السماءُ من راسه فَـتَـوَّجَــتْهُ.

صلُّوا عليه وسَلِّموا تسليما.

وبعد أيها الأعزاء فإن هذا الرسول الكريم وهذ النبي العظيم له علينا وعلى أمته حقوق يجب صونها وحفظها والقيام بحقه وحقها.

هذا في لقاء الغــــد إن شاء الله ، وهو المقال الأخير في هذه السلسة.

[1] ــ الراوي : أبو هريرة . أخرجه أحمد (8952) والبخاري في ” الأدب المفرد” (207) وصححه الألباني في ” الأدب المفرد” وفي” السلسلة” برقم (45) وشعيب الأرناؤوط في” تخريج المسند”.
[2] ــ {ابراهيم:1}.
[3] ــ الراوي : أبو هريرة.
أخرجه أحمد (7160) والبزار (9807) وأبو يعلى (6105).
صححه الشيخ أحمد شاكر في ” تحقيق المسند” والألباني في “صحيح الترغيب” (3280) وقال: صحيح. وقال شعيب الأرناؤوط في ” تحقيق المسند” : إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[4] ــ {الأحزاب:45 ــ 46}.
[5] ــ {الزمر:23}.
[6] ــ {الأنعام:39}.
[7] ــ {الحجر:95}.
[8] ــ لراوي : أنس بن مالك. أخرجه البخاري (4333) ومسلم (1059).
[9] ــ الراوي : جرير بن عبدالله .
أخرجه أحمد (19218) قال شعيب الأرناؤوط في “تخريج المسند”: إسناده صحيح على شرط مسلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock