مقـالات وكـتاب

قطاف من دروس الهجرة النبوية (18/18)  ✍ الشيخ منصور ال هاشم

البيرق : ✍ الشيخ منصور ال هاشم

.

 

الفــــترة المــكيـــة وطبيعتها ودروسها :

مـــدرسة الثبات وصناعة التاريخ.
كانت الفترة المكية مدرسة أنموذجية ربت رجالا صهرتهم الأحداث ، فكانوا أمامها كالجبال الرواسي ثابتة لا تتزحزح، وكانوا كمعدن الحديد الصلب الذي لا ينثني ولا يلين ، فأثبتت تلك الأحداث صدقهم مع الله واخلاصهم لربهم ومولاهم وحبهم لله ولرسوله ﷺ و لدينه.
صنعت منهم تلك الأحداث معجزة أو شبه معجزة، ومن ثَــمَّ كان الحديث عنهم أسطورة أو ما يشبه الأسطورة ، مَـنْـشَـأُ ذلك هولُ مالــقُوا، ولـقوة ثباتهم وعظيم صبرهم أمام الأعاصير التي لاقوها وألوان العذاب والأهوال التي تحملوها.
لقد سطروا تاريخ ثباتهم بقوة عزائمهم وخَــلَّــفُوه للأجيال بمداد لا يمحوه تعاقب الليل والنهار.
لقد استرخصوا أنفسهم في سبيل الله ، فلم يُــبَـالوا بما يلاقون من الهول والعذاب.
ورسول الله ﷺ نَــقَـدَهم الثمن عاجلا : (صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة)[1] وهل هناك ثمن أغلى وأعـز من الجنة ولذلك استعذبوا الهول والعذاب فكان عليهم(بردا وسلاما).

التــوحِـــيد والعَـــقيدة أولاً.
كان الجانب العقدي ــ التوحيد ــ هو الاهتمام في المرحلة المكية من رسول الله ﷺ أن يبني الجانب العقائديّ عند أصحابه ، فلا إله غير الله، ولا يتوجهون بعبادة لأحد سواه، ولا يتوسلون ولا يرجون أحــدا إلا الله، ولا يتوكلون إلا عليه، ينيبون إليه، يخافون عذابه، يرجون رحمته، إيمان عميق برب العالمين، وإيمان برسوله الكريم وما جاء به وبإخوانه من الأنبياء والمرسلين، واعتقاد جازم بأن هناك يومًا سيبعث فيه جميع الخلائق، يقوم الناس فيه لرب العالمين، يحاسبون على ما عملوا، لن يظلم في ذلك اليوم أحد، لن تغفل الذرة ولا القطمير، ولا الكبيرة ولا حبّة الشعير، إنها إما الجنة أبدًا أو النار.
﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾[2]

مكث رسول الله مع أصحابه في مكة ثلاثة عشرا عاما يُــرَسِّــخ في نفوسهم هذه العَـــقيدة ، عقيدة التوحِـــيد ،ولذلك لم يكن هناك حلال ولا حـــرام، ولا أمْـــرٌ ولا نَــهْي ، بل حتى الصلاة لم تكن فرضا مفروضا.

لماذا كل هـــذا الاهتمام طــول هــذه المــدة الطويلة مــن الزمــن.
والجواب: ذلك أن علم التوحــيـد والعقيدة هو الأهم من الــــدين والعلم لأن العقيدة هي البداية وهي النــــهايـــة ،وهي الغــــايــــة.
من أجلها ، ومن أجلها فقط جَـــاءت الرسَـــالة والنُّــبُـوة.
هي غاية مطلب الرسالات لكل الرسل والأنبياء عليهم ونبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام .
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾[3]

العـقـــــيــدة الأمــر الأهم.
العقيدة موقعها من الدين موقع الراس من الجسد، وموقع القلب من الأعضاء فالعقيدة لب الشـريعة وروحها، وهي التي من أجلها بعث الله الرسل، وأنزل الكتب، ومن أجل العقيدة كان الولاء والبراء. من أجلها كانت المقاطعة بين رسول الله ﷺ وبين المشـركين ثلاثة أعوام حتى أكل المسلمون ورق الشجر، حتى قرحت أشداقهم بسبب الجوع والقطيعة .
قال عتبة بن غزوان : (لقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما طعامنا إلا ورق الحبلة، حتى قرحت أشداقنا.)[4] يعني زمن المقاطعة مع قريش.
ومن أجل العقيدة كانت هجرة الحبشة الأولى والثانية .

ومن أجل العقيدة وكلمة التوحيد أُدْمِـيَـتْ عَـقِـبُه الشـريفة الطاهرة ﷺ في الطائف حين قُـذِفَ بالحجارة ﷺ .

ومن أجل التوحيد والعقيدة كانت الهجرة إلى المدينة النبوية، وتُــرِكَ الأهل والأزواج والذرية، والأموال والكنوز ،والدُّور، والضياع في مكة .

ومن أجل التوحيد والعقيدة قامت معارك وحروب، فأزهقت لأجلها أنفس وأرواح ، وسالت من أجل التوحيد والعقيدة أزكى الدماء .
ومن أجلها كُـسـِرَت رباعـيـته ﷺ يوم أحُــد بأبي هو وأمي ونفسـي التي بين جنبيَّ .

ومن أجل كلمة التوحيد والعقيدة شُـج وجـهه ﷺ ، وكُــسِرت رباعيته.

ومن أجل التوحيد قتل حمزة بن عبد المطلب ( سيد الشهداء)
ولم ينتقل رسول الله ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلاّ بعد ان بين التوحيد ” العقيدة” أوضح بيان وأتمَّه وأجمله وأكمله.
ولولا العقيدة والتوحيد لقبلت قريش من رسول الله ﷺ دعوته.
و لذلك فقد مكث رسول الله ﷺ ثلاثة عشـر عاما ” هي عمر الدعوة في مكة وطول زمانها ” فلم يناقش مع قريش غير قضية التوحيد، التوحيد لا غير ، التوحيد أولاً .

( قولوا لا إله إلاّ الله تفلحوا).
قال لهم  :  ( يا عم إني إنما أريدهم على كلمة واحدة، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية. قالوا: وما هي؟ نعم وأبيك، عشـرا، قال: لا إله إلا الله. قال: فقاموا وهم ينفضون ثيابهم وهم يقولون: ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشـيء عجاب؟﴾[5] الراوي : عبدالله بن عباس.
قال لهم 🙁 أريدكم أن تقولوا كلمة واحدة لا غير، قالوا : نعطيك عشـرا . قال : قولوا : (لا إله الاّ الله تفلحوا) فقالوا: ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾
اقبلوا كلمة التوحيد والإخلاص لله أولاً، فليس هناك عُزَّى ولا هُـبَل ولا أربابا من دون الله هذا ما اريده منكم اولاً .
وهم عرفوا معناها ومحتواها ومدلولها، فلم يقبلوها فلذلك كانت الخصومة والقطيعة والحروب والعداوة من أجلها فقط .
فليت بعض الذين يُــقَمِّشُون ولا يُــنَقِّشُون، ويتآلفون ويجتمعون على أي حال من أمر العقيدة ، ويـهتـمون بأمر اللياقة وبرامج الثرثرة، والرحلات.
يهتمون بالقشور ويتركون اللباب عمدا ،أوجـــهلا. يُــهْـمِــلون أمر التوحيد والعقيدة وهي اللباب ، ومقصود الدين والشريعة، ليتهم يفهمون ويفقهون ، فعليك أن تعرف وتفهم أهمية العقيدة أولاً.

العقيدة أولاً ، فهي أصل الدين وسبب النجاة يوم القيامة .

المرحلة المكية طاقة وسعادة روحية.

كانت المرحلة المكية طاقة بَــدنـيّة وروحية لحمل أعباء بدر والأحزاب وأحُـــد ،وخيبر وتبوك ، وبهذا أسسوا مدرسة تستلهم منها الأجيال دروسا وعبرا ناضجة لا تنتهي .
الفترة المكية هي الأساس المتين القوي الذي قام عليه صرح الإسلامي العظيم.
لقد كانت الفـــــترة المكية ” فترة البناء” بناء الشخصية المسلمة الراشدة التي تُــقَــدر الأمور قـدرها فتـقَـدِّم الأهم على المهم .

كانت الفـــــترة المكية فترة بناء الشخصية المسلمة القوية التي تثبت أمام الأعاصير والمتغيرات فالبناء الضعيف سرعان ما يتهدم ولا يصمد ولا يثبت أمام الزوابع.

وفائدة ما تقدم ودرسه.
الاهتمام بأمر التوحيد والعقيدة، فالمسلم المتدين بغير علم العقيدة كالريشة في مهب الريح ،تهب بها ثم تقذفها في أي وادٍ .
بغير العقيدة الصحيحة لا يعرف الشاب المتدين من الذين يأخذ عنهم العلم ومن الذين يدعهم ويتركهم ، ومن هي الجماعة أو الطائفة التي يسير في ركابها ويقتدي بها، وحينئذٍ بغير معرفته التوحيد والعقيدة يسهُل قيادُه لكل ناعق وواعظ باسم الدين، لأنه يميل لا مع الحق، لكن مع العاطفة، والعاطفة لا تغني من الحق شيئا ،بل العاطفة أحيانا تكون عاصفة، تعصف به وتوقعه فيما لا تحمد عقباه ، والواقع اليوم أكبر دليل وأعظم شاهد على هذا .

التــــــوحــــــــيد والعــقيدة يا طلاب العلم وياأيها المتدينون.

لما سبق: اجعل العقيدة ومسائلها أولى مسائل العلم، واجعلها همك الأول ، وتفقه في هذا العلم “أبجدياته وضرورياته” وهي سهلة يسيرة، ميسـرة، ودع عنك تخصصاته للعلماء.
اجعلها همك الأول فبها قبول الأعمال ، وبها النجاة من النار.
الكثير من المتدينين يتربون على كتب الوعظ السَّــلْبي ، نعم هناك كتب وعظ سلبي كثيرة، ليس فيها شيء من العلم النافع ، وسبَّــبَت تخلف كثير المسلمين وشوَّهت الملَّة والدين ، مَــلِــيئة بما يخالف العقل الصريح ، والنَّــصّ الصحيح من الكتاب والسنة .
هي التي حرضت جهال المسلمين على التواني والكسل ، والعطالة ، والبطالة، والفقر، فأصبح المسلمون لهذه الأسباب عالة على كل أحد.

في المرحلة المكية مع التوحيد زكاء النفوس وسمو الأرواح.
إلى جانب التوحيد والعقيدة الراسخة، فقد تعلم المؤمنون في هذه المرحلة المكية الأخلاق الحميدة، والخصال الرفيعة، هُذِّبَت بها نفوسُهم، وسَمتْ أرواحهم، وارتفعوا عن قيم الأرض ودنايا الأخلاق وطبائع الجاهلية ،فارتقوا إلى قيم السماء وأخلاق السمو والقُــرآن ،وطبائع الكرام .
عرف المؤمنون في هذه المرحلة أن الطريق إلى لجنة طريق شاقّ صعب، مليء بالابتلاء والاختبار، ولن يُستثنى أحد من ذلك الاختبار.
قال ربنا وقوله الحق الذي لا يتبدل :﴿ الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾[6] قال سعد بن أبي وقاص قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى العبد على حسب دينه فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة) [7] وقال خباب بن الأرت :  ( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون.)  [8] وصدق رسول الله ﷺ فيما أخبر به فقد تحقق وأصبح واقعا تراه العين.

ومع كون المرحلة بكاملها كانت مليئة بألوان من الإيذاء والتعذيب، ، إلا أنها كانت متخمة وغامرة وعامرة بالسعادة الروحية ولولا تلك السعادة الروحية لما أستعذب المعذبون المؤمنون من أصحاب رسول الله ﷺ ألوان العذاب ، وتلك الأهوال التي نأت بحملها الجبال، وسطَّروا صفحات من الصبر الذي رفع ذكرهم إلى قيام الساعة ،وأعلى مقامهم عند ربهم ،وحفظ دينهم . فثبتوا ثباتا منقطع النظير.

ومـــن صـــــبر ظـــــــفر ، ومـــن ثبت انتـصـــر .
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ {النور:55} وتحق وعد الله.
قال عتبة بن غزوان، في حديث طويل ورائع وجميل هذا بعضه : (….فما أصبح اليوم منا أحدٌ إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار……)[9] من شاء رجع إلى الحديث .

وأخــــيرا.

حـــديث الهجرة وذكرياتها :
كانت ذكريات الهجرة وما تخللها من السيرة النبوية المباركة نسمات عليلة هبت من أحداثها المباركة، نسمات عليلة هَــبَّـت مِــن صَــــبَا طيبة الطيبة ،نثرت في الوجوه الوضاءة والنور، وفي النفوس السعادة والسرور، وفي القلوب الشوق والمحبة.
لقد حركت النفوس شوقا واشتياقا لصحبة رسول الله ﷺ ،ولصحبة ذلك الرعيل الأول من صحابتـه الأبرار الكرام ورؤيتهم ، دفعت بالنفوس حُـــبَّا وإخلاصا ومتابعة لهذا الرسول وهذا النبي العظيم ﷺ .
أسأل الله الحي القيوم أن يرزقني واياكم جميعا اتباع سنة رسول الله ﷺ .
اللهم وارزقنا حبك وحب رسولك صلى الله عليه وسلم وحب أوليائك وأصحاب خاتم أنبيائك، واحشرنا معهم وفي زمرتهم يوم الدين ، واجمعنا بهم في جنات النعيم.

للحديث بقية ، نلتقي غـــدا إن شاء الله.

مقال خاص (( النور الذي اتبعوه))

[1] ــ أخرجه الطبراني في ” الأوسط” وابن اسحق في ” السيرة” قال الشوكاني في” در السحابة” : رجاله رجال الصحيح غير ابراهيم بن عبد العزيز وهو ثـقة. الألباني في “فقه السيرة” صفحة (106) :حسن صحيح. وقال شعيب الأرناؤوط في ” تخريج زاد المعاد” (ج/3/22) بمثل قول الشوكاني.
[2] ــ {الأنبياء:47}.
[3] ــ {الأنبياء:25}.
[4] ــ أخرجه مسلم (2967).
[5] ــ أخرجه أحمد (3419) و ابن حبان (6686) وصححه ابن حبان , وصححه ابن كثير في ” إرشاد الفقيه” (ج/2/335) وأحمد شاكر في المسند. وقال شعيب الأرناؤوط في “تخريج صحيح ابن حبان” : فيه يحيى بن عمارة، لم يوثقه غير المؤلف، وتفرد عنه الأعمش، وباقي السند رجاله ثقات رجال الشيخين غير مسدد، فمن رجال البخاري.
[6] ــ {العنكبوت:1و2}.
[7] ــ أخرجه أحمد (1555) والترمذي (2398) وابن ماجة (3265) صححه أحمد شاكر في” تخريج المسند” والألباني في ” الترمذي وابن ماجة، وصححه شعيب الأرناؤوط.
[8] ــ أخرجه البخاري (3612و 3852و 6943).
[9] ــ أخرجه مسلم (2967).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock