مقـالات وكـتاب

قطاف من دروس الهجرة النبوية (18/17) بقلم ✍ الشيخ منصور ال هاشم

البيرق :  ✍ الشيخ منصور ال هاشم

يــــــــــثـرب .

يثرب وحظها من ثمار الهجرة النبوية المباركة.

كانت يثرب قبل الهجرة النبوية قرية صغيرة قابعة بين حــرَّتـين ــ الشرقية ، والغربية ــ لا تكاد أن تـذكر بين القرى والأمصار.

جــغـرافــــية المـــدينـــة

وسط المدينة: سهل تحتـضنه مرتفعات تشكل أجزاء من حــرّتين هما حـــرّة ” واقم ” إلى الشرق وحــرّة ” الوبرة ” إلى الغرب. يسكن هذا الوسط الأوس والخزرج غالبا.
فيها بضعة أودية ،منها وادي “مذينيب” ووادي “مهزور” شرقا ،وبينهما “وادي بُعاث” ووادي “رانوناء” جنوبا ــ قريبا من قباء ــ وفيها الوادي المبارك “وادي العقيق” الممتدّ شمالا.
وفي الشمال الشرقي من وادي العقيق يمتد جبل أحُد من الشرق إلى الغرب ، وإلى الشـرق منه جبل ” ثور” وهو حَــدَّها الشرقي الشمالي.
في الجنوب منطقة قُباء ويسكنها بنو عمرو بن عوف وبعض اليهود، ، وإلى الغرب الجنوبي منها جبل عِــيْر، وهو حدها الجنوبي، وفي الشرق حرة ” واقــم ” ويسكنها معظم قبائل اليهود.
وإلى الغرب من وسط المدينة ينتـصب جبل سلع، أقرب المرتفعات إلى وسط المدينة وقريبا منه ثنية الوداع التي كانت مدخل” يثرب ” الشمالي الغربي.
وإلى الشمال من جبل سلع بئر رومة، التي اشتراها فيما بعد عثمان بن عفان رضي الله عنه وجعلها للمسلمين .
هكذا كانت يثرب، قبل الهجرة. سكانها خليط من القبائل العربية، ومن يهود. وهي وفيرة المياه، مشهورة بالزراعة ويكثر فيها النحيل.

يَـــثْرب بــعـد هـجرة رسول الله ﷺ .
لما وصلها صاحب النبوة والرسالة ﷺ وحامل مشعل الضياء والهداية تبدل حالها ،فأصبحت موئل الهدى والنور، ومهبط جبريل والوحي، وتبدل وضعها وذكرها في الناس.
فأصبحت محط الأنظار من كل فج ، وأصبح اسمها يتردد على كل لسان في المشرق والمغرب، والشمال و الجنوب.
أصبحت مقصد القادمين والباحثين عن ابن عبد الله ﴿ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّه﴾ ﷺ .
أصبحت المدينة المنورة أول عاصمة في تاريخ الإسلام، وثاني أقدس الأماكن عند المسلمين

تــــــبديل اسمـــــها:

كان اسمها قبل الهجرة ” يثرب ” فسماها رسول الله ﷺ، طيبة وطابة كراهية للتثريب، وسمّيت مدينة الرسول لنزوله بها. فإنما هي طيبة.
روي : جابر بن سمرة عن رسول الله ﷺ قال :(إن الله تعالى سمى المدينة طابة).
أخرجه مسلم (1385)
وقال أبو حميد الساعدي : (أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، من تبوك، حتى أشرفنا على المدينة، فقال: هذه طابة.) أخرجه البخاري(1481 و1872) ومسلم (1392)

الـــــدعاء للــمـــــدينــــة بالبــركـــة
روى عبدالله بن زيد قال رسول الله ﷺ : (إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم عليه السلام لمكة.) أخرجه البخاري (2129)
وفي رواية : (…..اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم) الراوي : أنس بن مالك . أخرجه البخاري (2893) ومسلم (1365)

المدينة حــرَمٌ آمِــنْ :

(المدينة حرم ما بين عـِــير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا، ولا عدلا) الراوي : علي بن أبي طالب. أخرجه البخاري (1867و6755 و7300) ومسلم (1370).
وفي رواية : (أهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى المدينة، فقال: إنها حرم آمن.) الراوي : سهل بن حنيف. أخرجه مسلم (1375) أَهوى بـــيده، أي: أَشار إِلى المدينة.
(إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها يريد المدينة.) الراوي : رافع بن خديج.
أخرجه مسلم (1361) و(1372) من رواية أبي هريرة. وزاد فيه : (وجعل اثني عشر ميلا حول المدينة حمى.)

طــيبـة مـــــارز الإيمان :
قال ﷺ :(إن الإيمان ليأرز إلى المدينة، كما تأرز الحية إلى جحرها.) الراوي : أبو هريرة أخرجه البخاري (1876) ومسلم (147)
المدينة تنفي الخبث منها :
(أمرت بقرية تأكل القرى يقولون: يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد. الراوي : أبو هريرة. أخرجه البخار (1871) ومسلم (1382)
الملائكة تحرس المدينة ولا يدخلها الدجال :
(على أنقاب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون، ولا الدجال.) الراوي : أبو هريرة.

أخرجه البخاري (1880و 7133) ومسلم (1379)

ثواب الصبر على حَـرها وشدتها :
قال عبدالله بن عمر : (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد، إلا كنت له شهيدا، أو شفيعا يوم القيامة.) أخرجه مسلم (1363و1377و 1378)
مكانتها في قــلوب المسلمين:

تتبوأ المدينة المنورة مكانة عظيمة معظمة في قلوب المسلمين يفدونها بالنفس والنَّـفيس، ويبذلون في سبيل الوصول إليها كرائم أموالهم وأثمن ما يملكون.
تهـفوا إليها قلوب الملايين ، فهي وجهة المسلمين من أصقاع الدنيا، لا يَــدّخرون وسعا في المجيء والوصول إليها.
هي المدينة المباركة التي شرَّفها الله وفضّلها وجعلها خير البقاع بعد البيت الحرام ، الصلاة في مسجدها بألف صلاة عما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام .
(صلاةٌ في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فِيما سواه من المساجد إلَّا المسجد الحرام) الراوي : أبو هريرة . أخرجه البخاري (1190) ومسلم (1394)
تاريخها ممتلئ بسيرة الخير والعطاء ، يـبدأ من استقبال أهلها للمهاجرين .
هي مدينة الرَسول ﷺ و فيها نزول جبريل بالوحي والقرآن على رسول الله ﷺ.
هي نبع الإيمان، وموطن المؤمنين، ومنها شعَّ نور الهداية إلى العالمين . ، وفيها دُفن ﷺ.
هذه طيبة الطيبة نالت هذه الحظوظ المباركة بعد الهجرة النبوية ، بعد أن كانت قرية لا تُــذكر.
الفـــترة المـــدنــية ونــفحــاتها:

كانت هجرة رسول الله ﷺ نصرا للإسلام وعزا للمسلمين.
لقد كان يوم الهجرة يوما من ” أيام الله المباركة” يوما من أيام الله خـــالدة الذكر، يوما من أيام النصر.
كانت الهجرة النبوية انتقالًا من الضعف والاضطهاد إلى القـــوّة والعــزّة والتمكين.
في المدينة النبوية أمِـــنَ رسول الله ﷺ وأصحابه على أنفسهم وأهلهم وأموالهم من أذى قريش.
أسست الهجرة ودار هجرتهم اشراقة عهد جديد فاستطاعوا يؤدون عبادة الله في طمأنينة وأمن وأمان ، ومن ثم تفرغوا للدعوة إلى الله ونشر دين الله في الآفاق.
وفي طيبة الطيبة نهاية مرحلة ضعف وأذى وانتهت المرحلة المكيّة بكل أحداثها وآلامها وبداية عهد جديد قوي ،كان سرباله القُــوة والعــزة والنصر والتمكين، وبلوغ دين الله آفاق المعمورة، فالحمد لله رب العالمين.
في المدينة أصبح المسلمون مؤهلين لاستقبال الأحكام الشرعية وتطبيقها، فتكاملت الشريعة الغراء، ونزلت أحكام العبادات والمعاملات، والأسرة، والقضاء، والسياسة ، وغيرها من الأحكام الشرعية وفرائض الدين وواجباته.
ومن المدينة انطلقت قوافل الدعــاة إلى الله شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وانطلق الفاتحون من جند الله ينشرون رحمة الله في العالمين.
وإلى المدينة قَــدِمت الوفود من كل ناحية تبايع رسول الله ﷺ على الإسلام.
إن حدثَ الهجرة يظهر بجلاء أن الشدائد لا تدوم، وأن الاصطفاء قرينُ الابتلاء، وأن الــعِـبْرَة بحسن النهاية لا بنقص البداية أو ضعفها، وأن العبد مطالب بالأسباب مع توكله على رب الأسباب ، وأن الفرج مع الصّبر، وأن النـصْر مع الكرب، وأن مع العُسْر يُسْرًا.
﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ {العنكبوت:1 ـ 3}
الهجرة النبوية لم تكن حدثا عابرا، بل كانت حدثاً عظيماً مباركا غيّر مجرى التاريخ، وفيصلاً بين مرحلة الدعوة المكية ومرحلة الدعوة المدنية، لا سيّما أن عظمة الأحداث تقاس بما يترتب عليها من النتائج، وبمكانة الرجال الذين تَــلَــبَّـسـوا بها.
كانت نتائج الهجرة فتحا عظيما مباركا ،تجلّت فيها معاني الصبر، والإخاء، والتضحية، والصحبة، والنصر، والتوكل، وجعلها الله تعالى سبباً لرفع راية الإسلام وإقامة دولته.
الصبر واليقين طريق النصر والتمكين :
بعد سنوات من الاضطهاد والابتلاء قضاها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة هيأ الله تعالى لهم طيبة الطيبة ، ليبدأ طريق النصر والتمكين لأهل الصبر واليقين قال سبحانه :
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ {غافر : 51}
ولقد صدق رسول الله ﷺ فيما أخبر به أصحابه في مكة وتحقق للعيان :
قال خباب بن الأرت : (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟…… فقال ﷺ: والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون.). أخرجه البخاري (3612و 3852و 6943)
مـــن صـــــبر ظـــــــفر ، ومـــن ثبت انتـصـــر .
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ {النور:55}

للحديث بقية ، نلتقي غـــدا إن شاء الله.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock