مقـالات وكـتاب

قطاف من دروس الهجرة النبوية (18/12) بقلم ✍ الشيخ منصور ال هاشم

بناء مسجد قباء ــ الرسول ﷺ في دار أبو أيوب الأنصاري ، بناء مسجد الرسول ﷺ

البيرق : بقلم ✍ الشيخ منصور ال هاشم

.

نظرة رسول الله ﷺ إلى الأمام وبناء مجتمع وكَــيَـان.
مكث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف ــ أهل قباء ــ أربع عشرة ليلة ثم ارتحل إلى قلب المدينة بعد أن بنى بها مسجد قباء.
قال أنس بن مالك : (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، نزل في علو المدينة، في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف، قال: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة)
أخرجه البخاري (428و3932) ومسلم (524)
وفي أهل ” قباء” نزل قوله سبحانه :﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ {التوبة :108}
قال أبو هريرة وابن عباس : (نزلت هذه الآية في أهل قباء : فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين)
خرجه أبو داود (44) والترمذي (3100) وابن ماجه (357)
ارتحاله ﷺ من بني عمرو ين عوف إلى ” يثرب”
ثم ارتحل رسول الله إلى داخل المدينة بعد أن أقام في ” بني عمرو بن عوف” تلك الليالي، وحين دخل صلى الله عليه وسلم المدينة هناك تسابقت الأشواق وتبارى الكرم والندى ورفرفت رايات المحبة والبشر، والفرح والسرور بمقدم رسول الله ﷺ ، وكل منهم يحاول الأخذ بزمام راحلة رسول الله ﷺ ليقودها إلى بيته ورحله ليحظى بقرب رسول الله وضيافته ،فيرفع رسول الله الحرج عن الجميع فأقرع بينهم.
قال أبو أيوب الأنصاري : (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، اقترعت الأنصار أيهم يؤوي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرعهم أبو أيوب، فآوى رسول الله صلى الله عليه وسلم) الراوي : أبو أيوب الأنصاري. أخرجه أحمد (23554) صححه الألباني ، وصححه شعيب في ” تخريج المسند” وبهذا قطع ﷺ أسباب البغضاء ،وقطع على ابليس مداخله.
فقرعهم أبو أيوب : أي أنهم صنعوا قــرعة فــفاز بها أبو أيوب رضي الله عنه. فحظي بشرف استضافة رسول الله ﷺ .
وأما حديث:(دعوها فإنها مأمورة ــ يعني الناقة ــ) فهو حديث لا يثبت عند علماء الحديث.
وهو : (قدم المدينة فلما قدم المدينة جاءت الأنصار برجالها ونسائها فقالوا : إلينا يا رسول الله فقال : دعوا الناقة فإنها مأمورة ، فبركت على باب أبي أيوب) قال في “مجمع الزوائد”
(ج/6/66) : فيه صديق بن موسى قال الذهبي ليس بالحجة. وفي لفظ :
(قال أهل المدينة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ادخل المدينة راشدا مهديا قال فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج الناس فجعلوا ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما مر على قوم قالوا يا رسول الله هاهنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوها فإنها مأمورة) يعني ناقته.
قال ابن عدي غي “الكامل في الضعفاء”(ج/2/424) : باطل.
وقال شعيب الأرناؤوط في “تخريج سير أعلام النبلاء” (ج/2/406) : إسناده ضعيف)
وقال الألباني في “السلسلة الضعيفة”
(6508) : منكر .
اردت من هذا : أن يغير القارئ الكريم مفهومه عن هذا الأثر الذائع الصيت، وأن الصحيح هو : الاقتراع .
مكث رسول الله ﷺ في دار أبي أيوب حتى بَــنَى حُــجَــرَه ومسجده.

بداية عـــهد جــــديــد

حين دخل رسول صلى الله عليه وسلم المدينة لم يتحدث عن معاناته في مكة ومالقي من العنت والصَّلف والجفاء من كفار قريش ،بل جعل ذلك خلف ظهره ،وإنما نظر إلى البناء والنماء ،فقـال في أول كلماته مع الناس : (أيها الناس : أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام) الراوي : عبدالله بن سلام.
أخرجه الترمذي (2485) وابن ماجة (1334) وصححه الألباني في ” المصدرين ” وغيره
فكانت نظرة رسول الله ﷺ التطلع إلى الأمام ،والاشتغال بالعمل الصالح ، وعدم النظر إلى الوراء ،فذاك أمر لا يــفـيد.

ثمرات الهجرة النبوية المباركة .

1 ــ الأمن والأمان والاستقرار.
بوصول رسول الله ﷺ والمؤمنون المهاجرون إلى المدينة حَــطوا عن كواهلهم العناء ، وتَــنَـفَّسوا الصعداء، وتحقق لهم الأمن والاستقرار، فلم يعد هناك من يؤذيهم أو يساومهم على دينهم الذي هو أغلى عليهم من نفوسهم التي بين جنوبهم ،أو ينغص عليهم حياتهم ، لم يعد هناك أبو جهل ولا عقبة بن أبي معيط ولا غيرهم من أشرار كفار قريش، ولذلك تفرغ المؤمنون لطاعة ربهم .
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ { الأنفال:26}

2 ـــ أول عمل قام به رسول الله ﷺ بناء مسجده :
المسجد و دور في الأمة المسلمة :
للمسجد دوره وخطره ،وموقعه العظيم في حياة المسلمين ، فالمسجد ليس مجرد بناء يقام ، بل هو شعارُ دين وملة ومُــلْــتَـقَــى جَـْمعٌ وأمة، وبيت شريف بالذكر والعبادة، فيه صلة العباد بربهم سبحانه صِـلَـة تَـتجدد كل يوم خمس مرات ، وهو مجتمع الإيمان، ومصدر التوجيه الروحي وميدان القِـيـَمِ، وساحة العبادة، ومَــدرسة الـعلم، ومنتدى الأدب.
فيه اجتماع الأشباح وتلاقي الأرواح ،وموطن المساواة ،وعدم التفرقة فالفقير يلصق منكبه بمنكب أخيه الغني ،موطن التعارف والتصافي.
في المسجد طمأنينة القلوب ومعالجة النفوس وضيق الصدور.
ولذلك كان أول عمل قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم فور وصوله المدينة، بناء مسجده ﷺ .

بالتعاون بين المهاجرين والأنصار ،وبمشاركة رسول الله تَــمَّ بناء مسجده ﷺ لتظهر فيه شعائر الإسلام ، ولتقام فيه الصلوات التي تربط المسلم برب العالمين، ويجتمع المسلمون فيه فيزداد تعارفهم وتألفهم وتراحمهم .
فالمسجد هو مركز العلم والثقافة والنور الذي يشرح الصدور ،وهو منطلق لجيوش العلم والدعوة والدعاة ومنه تخرج السرايا في سبيل الله .
﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ* لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ { النور: 36 ــ 38 }
حين كانوا ينقلون اللبن والحجارة للبناء كانوا (يرتجزون ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، يقولون: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة)
قال أنس بن مالك : (أمر ﷺ ببناء المسجد، فأرسل إلى ملإ بني النجار فجاؤوا، فقال: يا بني النجار ثامنوني حائطكم هذا فقالوا لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله……….قال: فجعلوا ينقلون ذاك الصخر وهم يرتجزون ورسول الله صلى الله عليه وسلم معهم، يقولون: اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فانصر الأنصار والمهاجرة.) الراوي : أنس بن مالك. أخرجه البخاري (428و 3932) ومسلم (524)
هذا الرجز تكرر أيضا في حفر الخندق.وحديثه في البخاري .
تم بناء المسجد في بساطة متناهية ،فراشه الرمل وسقفه جريد النخل، وأعمدته من جذوع النخل، بلا أبواب ولا حُــجـّاب، بناء متواضع غاية التواضع ، تَــرَبَّـى فيه جيل مثالي فريد، أُولـُــوا عزم وهمم ،جعلهم سادة الدنيا وقادة الأمم.

للحديث بقية ، نلتقي غـــدا إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock