ساحة الأدب والخواطر

من لندن إلى جدة هجرة الزمان والمكان

البيرق : بقلم: د. محمد أكرم الندوي
أوكسفورد

 

خرجت من بيتي الساعة الثانية عشرة والنصف مودعا أهلي وبناتي وأولادهن، وراكبا سيارة تقودها بنتي فاطمة، ومعنا في السيارة بنتي الصغرى عائشة، وسبطي أسامة، إن النزوح من الأهل والدار تضحية، فما حياة المرء إلا في قلوب أهله وأولاده، ووجوه أصدقائه وأصحابه، وجوانب داره ومشاهد بلده، فإذا فارقها صار كأنه فارق الحياة، وهل الموت إلا انتقال من دار إلى أخرى، ومن هنا كانت الهجرة في سبيل الله من أعظم القربات.
سألتني فاطمة: هل أنا متحمس للرحلة؟ قلت: نعم فالتضحية معبر إلى السعادة، إنها وجهة يفضلها المؤمنون على وجهات الشرق والغرب، وغايات الشمال والجنوب، وعلى مشاتئ اليمن ومصايف الشام، وأسعد بالزائر إذا تنسم من حيال أم القرى ريحا، وأفرح بالراكب إذا آنس من شطر يثرب برقا.
لعل بعض القراء يسألني: ما لك محتفيا بتقييد ذكرياتك كلما أخذت في رحلة؟ ضبط ابن بطوطة سفره وتجواله فأتحفنا بالنوادر واكتشف لنا العوالم المجهولة، وقد تحولت الأرض في زماننا كأنها حارة، لا تخفى علينا منها خافية؟ قلت: لا أنكر مغزى هذا السؤال، والذي يحملني – رغم ذلك- على رسم يومياتي أمران:

الأول أني أتوقى التذكير بالمعلوم والتشبع بالمكرور، وأنظر إلى كل حدث بعيني التي تختلف عن سواها من العيون، وأستسيغه بعقلي الذي يستنتج ما لا يستنتجه غيره، وأستشعره بقلبي الذي تتجدد أحاسيسه ومواجيده كل حين وآن.
والثاني أني أقابل الشيوخ والعلماء والطلاب والأصدقاء فأثبت تفاصيل لقائي إياهم واستفادتي منهم، وهي من العوالم المجهولة لدى القراء، وزد إليهما أمرا
ثالثا، وهو أني إذا كلفت نفسي بالكتابة صارت وكأنها موثقة بحبل متين، فتستغل الثواني واللحظات، وتتفادى إضاعة الأوقات.

ولعل بعض القراء يدقق فيستفهمني قائلا: إنك دونت ذكرياتك الحجازية مرارا بالعربية والأردية، فما لكتابك لا يوفي على التمام؟ وما لرحلتك لا تقارب الغاية؟، أرجوك أن تعفينا منها وتحترم أوقاتنا ولا تهجم على فراغنا، قلت: الحرمان الشريفان ليسا كعامة البقاع، ففيهما تتجدد النفحات الإلهية وتتنزل النسمات الربانية صباح مساء، لا يلقَّاها إلا ذو حظ توجهت إليه رحمة الله تعالى، وإني حريص على أن أشرك إخواني في مواهب الرحمن وعطاياه.
واسمع أيها المعترض! يأتيك أصدقاؤك كلما عادوا من تركيا، ولبنان، وإيران، والهند، وباكستان، وأوربا وأمريكا بالحلويات نفسها والكعكات، وبالهدايا المادية المتكررة، فلا تسأم منها ولا تتبرم بها، فليست مشكلتك في الإعادة والتكرار، وإنما مشكلتك أنك تحترم الطعام يهدى إليك أو الثوب يخلع عليك، وتتولى عن علم يساق إليك، أو حكمة تنثر عليك، مستغنيا عنهما، فداو مرضك قبل أن يستفحل أمره.
وإياك أن تقرنني بابن بطوطة أو ابن جبير، أو بكولمبس أو غيره من رواد المنافع الدنيوية، فإني إن لم آتك بما تستعظمه من قصصهم، فاعلمن أني سآتيك بما يعود عليك بنفع أكبر إن كنت لا تحصر النفع في المعدة والمادة.
انتهت الجملة المعترضة، وأعود إلى حديثي فأقول:
لم أهاجر أوكسفور إلى الحجاز، ولا انفلتُّ من ناحية إلى أخرى، بل تسللت من عصر إلى عصر، فهجرتي هذه هجرة زمانية قبل أن تكون هجرة مكانية.
هاجرت العصر الذي يستعبد فيه الإنسان الإنسان، وتسترقه الأهواء والشهوات، وتحبس نظراته في سجن العالم المشهود، يفرق فيه بين بني آدم من أجل اللون والدم، والدار والوطن، والمال والمتاع، وتهان فيه المرأة فتسلب العز والكرامة وتعامل معاملة اللعب والملاهي.
هاجرت هذا العصر إلى عصر العدل والمساواة، العصر الذي لم يحكم فيه الإنسان إلا ربه، عصر التحرر من الأهواء والشهوات، عصر قام فيه عبد أسود حبشي على ظهر أول بيت وضع للناس فنادى بكبرياء الله أكبر، وداس استكبار المستكبرين بقدميه، عصر وقف فيه سليل العرب العرباء على جبل مبارك فقال بصوت صريح مسموع: لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى.
ولم أقدر على تخطي حدود الزمان إلا أن المعنيين بالأخبار حفظوا لنا أيام خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم وسننه وأقواله، فهنيئا لبني آدم أن يزيدوا أنفسهم علما وهم في بيوتهم آمنون مستريحون، ولنشكر المحدثين ذوي الضبط والإتقان، وأهل الاستقامة والعدالة إذ أفنوا أعمارهم ليخلدوا ذكر حبيب رب العالمين صلى الله عليه وسلم.
أكتب كلماتي هذه وعلى حافتي الطريق سيارات تتجارى وعربات تتسارع، وكأن أصحابها يتسابقون إلى الهموم التي يزعمون أنهم يهربون منها، وما أتعس المرء وما أنكده إذا عجز عن أن يتخلص من الشقاء إلا إلى ما هو شر منه.
وحزنت على إخواني العرب المحاكين غيرهم في همومهم وشجونهم، يملكون الدواء ويتهافتون على الداء، وليس ذلك بعجب، فما أكثر ما يبتلى الواجد بالفقدان، وهل سميت الأرملة أرملة إلا بعد أن كانت ضجيعة لزوجها متحاضنين متنعمين.
وصلنا إلى مطار هيثرو بلندن في الساعة الثانية إلا الربع، ثم جلسنا في مقهى تغدت فيه فاطمة وعائشة وأسامة، وتحدثنا قليلا.
غادرت بنتاي وسبطي المطار الساعة الثانية والربع، وبقيت وحدي حتى لحقني الأخ زيد الإسلام وسيرافقني في هذا السفر، ولقينا هنا الدكتور حامد الحرساني السعودي قافلا إلى بيته في جدة، وقد عمل الدكتوراة في مادة التمويل من جامعة لندن، وهو رجل متواضع ذو أخلاق طيبة، وألح علينا أن نتغدى أو نتعشى عنده، فوعدناه أن نفرغ له وقتا مناسبا.
لم نصادف في المطار ازدحاما كبيرا، فتأثير وباء كورونا مشهود في كل مكان، وشرط الرحلة الجوية تلقي الجرعتين من التلقيح، وشهادة قريبة للبراءة من الإصابة، وانتهينا من الإجراءات في وقت سريع، ثم جلسنا في مكان هادئ نتجاذب أطراف الحديث ونحن ننتظر موعد إقلاع الطائرة.
أقلعت الطائرة في الساعة الخامسة إلا الربع من التوقيت المحلي، وذكَّر الطيار الركاب بدعاء السفر، وسررت بتميز رحلات المسلمين عن رحلات غيرهم، ثم عدت لنفسي قائلا: هل قرأ الركاب كلهم الدعاء؟ الجواب لا، قد يسر الله تعالى سبيل ذكره وعبادته، فما علاج من استصعب السهل الذلول، واستثقل الخفيف الميسور، نشكو من ضيق أحوالنا وتكالب البلايا والمحن علينا، فهلا نشكو من ضعف إيماننا، وبعدنا عن العبادة والطاعة؟
هبطت الطائرة في مطار جدة الدولي الجديد حوالي الساعة الثانية عشرة والربع، وهو مطار واسع كبير، وأخذت الإجراءات وقتا أقصر مما كنا نظن، فالموظفات هنا نشيطات متسارعات إلى أداء مسؤولياتهن.
خرجنا من المطار والأخ محمود علي مظهر المقيم في جدة ينتظرنا، وهو منحدر من حيدر آباد في الهند، درس في لندن وقضى بها سبع عشرة سنة، ركبنا سيارته الفخمة، ووصلنا إلى الفندق، وصلينا المغرب والعشاء قصرا وجمعا، وحمدنا ربنا جل وتبارك على سلامة الوصول سائلين إياه أن يجعلنا من عباده الصالحين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock