الاعلام والسير

صانعو التاريخ ومعلمو الأجيال (16) الحق أحق أن يُـتَّبع (2 ــ 2)

قال ﷺ يجيء رجل من هذا الفج من أهل الجنة يأكل هذه الفضلة

البيرق : الشيخ منصور ال هاشم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله واله ومن والاه. أما بعد
هناك من يصنع الأحداث والتاريخ ومواقف الشرف وهناك من تصنعه المواقف وبينهما من الفرق والبعد كما بين السماء والأرض .
والصحابي العظيم جليل القدر رفيع المقام عبد الله بن سلام هو من أولئك النَّفر الذين صنعوا التاريخ والأحداث فكانت نبراسا ومنارًا وقدوة لغيرهم.
لما أسلم عبد الله بن سلام ، ومن أسلم من يهود, فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام ، قالت اليهود : ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا شرارنا ، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره ,فأنزل الله عز وجل :﴿ لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ۝ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ {آل عمران :113ـ 114} اجمع المفسرون أن هذه الآية نزلت في “ابن سلام ومن أسلم من اليهود”.
هذا والله الشرف الذي لا يضاهيه شرف : أن يذكرك الله سبحانه في الملأ الأعلى, وأنت من أنت أيها العبد.
قال سعد بن أبي وقاص: (ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام قال: وفيه نزلت هذه الآية ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾ {الأحقاف: 10} [1] وقال قيس بن عباد أو عبادة : (كنت بالمدينة في ناس، فيهم بعض أصحاب النبي ﷺ فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فقال بعض القوم: هذا رجل من أهل الجنة، هذا رجل من أهل الجنة، فصلى ركعتين يتجوز فيهما، ثم خرج فاتبعته، فدخل منزله، ودخلت، فتحدثنا، فلما استأنس قلت له: إنك لما دخلت قَـبْلُ، قال رجل كذا وكذا، قال: سبحان الله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك؟ رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ فقصصتها عليه، رأيتني في روضة، ذكر سعتها وعشبها وخضرتها، ووسط الروضة عمود من حديد، أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: ارقه، فقلت له: لا أستطيع، فجاءني منصف، قال ابن عون: والمنصف الخادم، فقال بثيابي من خلفي، وصف أنه رفعه من خلفه بيده، فرقيت حتى كنت في أعلى العمود، فأخذت بالعروة، فقيل لي: استمسك. فلقد استيقظت وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تلك الروضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة عروة الوثقى، وأنت على الإسلام حتى تموت. قال: والرجل عبد الله بن سلام.) [2] ومن فضائل ابن سلام : قال سعد بن أبي وقاص: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقصعة فأكل منها ففضلت فضلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يجيء رجل من هذا الفج من أهل الجنة يأكل هذه الفضلة قال سعد : وكنت تركت أخي عميرا يتوضأ قال : فقلت : هو عمير قال : فجاء عبد الله بن سلام فأكلها) [3] قال عبد الله بن حنظلة : مَــرَّ عبد الله بن سلام في السوق عليه حزمة من حطب فقيل له أليس أغناك الله؟! قال بلى ولكن أردت أن أقمع الكبر سمعت رسول الله ﷺ يقول :
( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر) [4] هذا هو الصادق مع الله الصادق مع نفسه , صدق مع الله حين عرف الحق فلم يتردد ولم يكابر كما يفعل كثير من بني جلدته “اليهود” الذين يعرفون الحق فيكتمونه حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق ,وفضح اليهود وعنادهم، وتكبّرهم، وإصرارهم على كفرهم، رغم وضوح الحق، ومعرفتهم له, وكشف معدنهم وطبيعتهم التي لا تنقاد للحق.
لقد أعــلنها ابن سلام صادقة صريحة مدوية بين أظهر اليهود وعلى مسامعهم فنطق بكلمة التوحيد والإخلاص فشهد شهادة الحق وأعلن دخوله في الإسلام الذي جاء به رسول الله محمدٌ بن عبد الله ﷺ ثم قال لهم : يا معشر اليهود، اتقوا الله فو الله الذي لا إله إلا هو، إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق فقالوا: كذبت.
ومرة أخرى يفضح ابن سلام اليهود علانية بين يدي رسول الله ﷺ
(جاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم: كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا: نحممهما ونضربهما، فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئا، فقال لهم عبد الله بن سلام: كذبتم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فوضع مدراسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم فطفق يقرأ ما دون يده، وما وراءها ولا يقرأ آية الرجم، فنزع يده عن آية الرجم، فقال: ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما فرجما.) [5] هذا عبدالله بن سلام الذي ولِـدَ في أحضان اليهود ,وعاش في روضة الإيمان ودوحة الإسلام فعليه السلام.
هذا هو الإيمان الذي يرفع أهله عند ربهم ويُــعْـلِي مقامهم ويرفع ذكرهم.
فالله سبحانه ليس بينه وبين عباده إلاَّ السبب وليس النسب فمن أخذ بالسبب فاز وإن كان عبدا حبشيًا, ومن تركه فقد خاب وإن كان سيِّدًا قرشيًا
لقد حاز عبدالله بن سلام الشرف من أطرافه و الثناء من أكنافه أمتدحه ربه وأغدق عليه المدح والثناء والإطراء من فوق سمواته .
أثنى عليه رب العالمين ثناءً لا ينقطع ما بقي الليل والنهار قرآنا يتلى على مدى الدهور وتجدد العصور, فأي شرف بعد هذا الشرف يرومه الإنسان.
استرضع ثَــــدْيَ المجد، وافْـتَرَش حِجْرَ الفضل , فهنيئًا له الشرف.
لقد صنع عبدالله التاريخ وعلم الأجيال الصدق مع الله ,والصدق يهدي إلى البِــرِّ والبِرّ يهدي إلى الجنة .
كانت مدرسته أن الحق يُــتَّبَــعُ ولا يُـبطَر ولا يُرد , جاء به موالف أم مخالف, فالحق لا يُــرَدُّ وان كان القائل به صغيرا أو كان رجلا مغمورا, فما بالك والقائل بالحق هو رسول الله محمد بن عبدالله ﷺ .
لقد خالف نفسه وطبعها وحطم داء الكبرياء ورافع راية التواضع لله رب العالمين.

اللهم إنا نشهدك أنا نحبه ونُحب سائر أصحاب رسولك ﷺ المهاجرين منهم والأنصار, اللهم إنا نسألك ونتوسل إليك أن تحشرنا معهم وفي زمرتهم يوم الدين , والحمد لله رب العالمين.

_ . _ . المصادر _ . _ .

[1] ــ أخرجه البخاري (3812)

[2] ــ أخرجه البخاري (3813) ومسلم (2484)

[3] ــ أخرجه أحمد (1458) صححه الحافظ ابن حجر في ” الإصابة” والعلاَّمةُ أحمد شاكر في” تخريج المسند والألباني في الصحيحة , وشعيب الأرناؤوط في “تخريج المسند”

[4] ــ ــ أخرجه أحمد (4310) ومسلم (91) باختلاف يسير، والترمذي (1999)

[5] ــ أخرجه البخاري (4556) وغيره

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock