مقـالات وكـتاب

ادبيات القلم (4) ناشـــئُ الفــتيـان … بقلم الشيخ منصور ال هاشم

البيرق : الشيخ مـنـصـور ال هــاشــم

 

وينشـــأ ناشـــئُ الفــتيـان منـــا

على ما كان عـــوَّدهُ أبـوه

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وأله ومن والاه وبعد

كنت أريد مواصلة الحديث حول التعليم والمعلمين, لكن قطع عليّ أحد الأخوة الأعزاء بـــ “مقطع فيديو ” تم تداوله على شبكات التواصل الاجتماعي يستحق الوقوف عنده والتأمل, فآثرت الحديث حول ذاك الفيديو.

اقتبست البيت الشعري عنواناً لهذا الموضوع لأنني أرى أنّ الكثير من الظواهر السلبية التي توجد في مجتمعاتنا التي تصدر من أطفالنا ,ومن فئة بعض المراهقين على وجه الخصوص ترجع في المقام الأول لغياب القدوة الحسنة, وضعف التربية جزئيًا أو كُلِّـيًا ,من قِـبَلِ الوالدين والمربين.

الأولاد نعمة كبرى, تملأ حياة الأبوين بهجة وسروراً، وتزيدها أنساً وسروراً، وتمنحهم راحة واستقراراً، ويعيشون سعادة وحبوراً, ولذلك امتن الله علينا فقال سبحانه :

﴿ يهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ ۝ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ [1]

فالأطفال منحة إلهية وهبة ربانية.

لا يعرف قدر هذه النعمة إلاَّ من حُرِمَ الولد، ولا يعرف ألم الحرمان إلاَّ من بُــلِـِيَ بفقدهم .

البعض ممن وهبه الله هذه النعمة قد لا يعرف قدرها فلم يَقُمْ بحقِّها وأهملها.

يَـغْـفُلُونَ عن واجبهم في تربية الأبناء, ويتخلون عن أداء رسالتهم نحوهم.

(عــقـقـته قبل أن يعـقك وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك)

(لا تعقوهم قبل أن يعقوكم)

جاء رجل إلى عمر بن الخطاب يشكو إليه عقوق ولده، فأمر عمر بإحضار الولد، وأنّبَ عمرُ الولدَ لعقوقه أبيه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين, أليس للولد حقوق على أبيه؟! قال : بلى!، وبعد مُحَاوَرَةٍ وأخذٍ ورد التفت عمر إلى الرجل وقال له: جئتَ تشكو عقوق ابنك وقد عقـقـته قبل أن يعقَّك، وأسأت إليه قبل أن يسيءَ إليك.

الأطفال أمانة في أعناقنا لهم حقوق يستحقون الوفاء بها. وسنحاسب على تربيتهم .

تربية الطفل رسالة عظيمة وفرض على الأبوين ,وهذا يستدعي أساسيَّات عِــدَّةٍ أهمها:

أولاً: القدوة الحسنة من الوالدين، أو من يقوم مقامهما.

ثانيًا : تنمية شخصية الطفل تنمية راشدة في الأقوال والأفعال, وذلك بتعويده على الصدق واجتناب الكذب, وارشاده إلى النافع من الضار, ومساعدته في اختيار الرفقة الصالحة من الأصدقاء, وبيان ثمارها , وإيضاح سلبيات الرفقة السيئة وأضرارها ومفاسدها, وارشاده إلى مَصَالِـحَ مستقبليّة، وتقديم شيء على شيء، وترك شيء, لأنّ هناك ما هو أولى وأهم أو أفضل منه .

الطفل صحيفة بيضاء نقية في أيدي أبويه ,أومن يـربـيه وهم من يحافظ على نقاء هذه الصفحة أو تدنيسها.

أرسل أحد الإخوة الأعزاء “مقطع اليوتيوب المرفق” وفيه يظهر طفلاً في نحو السنتين من العمر أو دون ذلك, وهو يدخن الشيشة بشراهة ,وأمامه كيس فيه “قات”: فهو يأخذ نَــفَــسًا من ” الشيشة ” ومضغة من ” القات”.

تُــرَى هل وُلِـدَ هذا الطفل من بطن أمه مدمن” للشيشة و……” أم أن وراء ذلك إنسانًا غاب رشدُه وساء تدبيره فلم يُـعَظِّم المسؤولية, فعلَّم هذا الطفل البريء مالا يصلح له .

إساءة كبيرة وجريمة في حق طفل بريء لا يَــعِــي النافِعَ من الضَّار.

منظر تقشعر له الأبدان, وتتألم به القلوب, وتحزن به النفوس أن وصل الاهتمام بـثمرة القلوب ,وذخيرة المستقبل وعُـدَّته, وأمل الحياة ,ورجال الغد, وعماد الظهور إلى هذا الـدَّرَك من الانحدار والضياع.

ذلك المشهد يحمل دلالة واضحة تدل على ضحالة تفكير وليَّه (أبًا كان أو أُمًا) وتَلَوُّثِ ثقافته, وعدم إدراكٍ لمسؤولية تربية ذلك الطفل ” الأمانة ” التي جعلها الله في عنقه فاسترعاه إياه.

هذا الطفل كان بحاجة إلى الغذاء والحليب والرعاية ولا يحتاج للشيشة ولما وضِــعَ في يده.

من ربى هذا الطفل على هذا الشذوذ الذي لا يدركه ذلك الطفل المسكين وجعل ” لَــيَّ الشيشة في فمه والقات بين يديه يعتلف منه” ثم تباهى بتصوير طفلٍ بَــرِيء لا يستحق أن يكون أبًا, أو أُمًا إن كانت أمًا, ولا مربيا, فهو ليس أهلا للمسؤولية والأمانة.

يجب أن يؤخذ على يده وعلى يد كل سفيه.

الطفل أمانة عند والديه ,وفِــطْـرَتُه السليمة جوهرة نفيسة خالية من كل شائبة، قابل لكل ما يُـرَبَّى عليه, ومائل إلى كل ما يُمَالُ به إليه فإن عَوَّده أبواه الخير نشأ عليه, وإن عوَّداه الشر وأهملاه إهمال البهائم شقي في مستقبل أيامه, وكانا هما من ضّـيَّعَه.

وكان الوزر والإثم والحساب عليهم.

مشى الطاووس يوما باعـوجاجٍ

فقلَّدَ شكلَ مِشيتهِ بنـــوهُ

فقال: علام تختالون؟ قالــوا

بدأتَ به ونحنُ مُقـــــلِّدوهُ

فخالفْ سيركَ المعوجَّ واعـــــدلْ

فإنا إن عــــدلت مُعَـــدِّلوهُ

أمـا تـــــدري أبـانـا : كلُّ فــــرع

جاري بالخطى من أدَّبوهُ

وينشـــأ ناشـــئُ الفــتيـان منـــــا

على ما كان عـــوَّدهُ أبـوهُ

البيت الأخير لأبي العلاء المعرِّي من قصيدة له طويلة جزلة وجميلة ,وبقية الأبيات حولها نزاع ,وربما كانت للمعرِّي أو للأصمعي أو لغيرهما, ولعلها من نوادر الأصمعي , بل تفوح منها رائحة الأصمعي.

الطفل يولد على الفِطْرةِ النَّقيَّةِ الخالية مِن شَوائبِ الكفر، ومن دَنَس المعاصي، ومن ذمِيم العادات كما قال سيد ولد آدم ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة, فأبواهُ يهَوِّدَانِه أو ينَصّرَانه، أو يُمَجِّسانه) [2]

يجب أن نربي أبناءنا تربية متكاملة في المزج بين المنهج الإسلامي وطُرُقِ التربية الحديثة

في الجوانب, العقدية ,والأخلاقية، والعقلية والصحية، وننظم سلوكهم وعواطفهم ونقوم برسالتنا فيهم كما يجب ,في إطار كلي يمتزج فيها شكر النعمة بتحمل المسؤولية والتوجيه المباشر ,وغير المباشر والقدوة الحسنة أولا وقبل كل شيء”.

فيا أيها الآباء لا تَـقْـضُوا على مسيرة أبنائكم بسوء سيرتكم وضعف تدبيركم ,وقَـوِّمُوا سُلُوكَـكُـمْ أنتم أولاً, كي يستقيم أبناؤكم.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [3]

“كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” [4]

” إن الله سائل كل راع عما استرعاه أحفظ أم ضيع؟” [5]

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [6]

_ _ المصادر _ _

[1] ــ { الشورى : 49 ـ 50}

[2] ــ أخرجه مطولاً البخاري (1385) واللفظ له، ومسلم (2658) .

[3] ــ { التحريم :6}

[4] ــ أخرجه البخاري (893)، ومسلم (1829)

[5] ــ أخرجه بن حبان قال الحافظ ابن حجر في “فتح الباري” (ج/13/121): إسناده صحيح.

[6] ــ { الفرقان : 74 }

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock