مقـالات وكـتاب

أدبيات القلم ـ( 3 ) رسالة حياة بقلم الشيخ منصور ال هاشم

البيرق : الشبخ منصور ال هاشم

قـــم للمعلم وفِّــــــــــهِ التبجيــــــلا

                 *** كاد المعلم أن يكون رسولا

أعلمت أشرف أو أجل من الذي

               *** يبني وينشئ أنفسا وعقولا؟!

حين كنت طفلا في مقعد الدرس في الصف الابتدائي وعمري لم يبلغ العاشرة, راقت لي مهنة المعلم وأعجبت بها عجبا شغل عقلي وتفكيري وأيامي، ومن ثم كنت أحلم أن أكون معلما في مستقبل حياتي.

كان يراودني هذا الحلم صباح مساء، حين أسير في المسارب والطرقات، وحين أكون في الحقول و بين المزروعات، أو أنا أرعى لنا غنيمات، أوحين أشاهد تهامة من الشفا و”الشّرفات” .

كنت أعقد الدرس، أشرح للطلاب وأقيم هذا الطالب وأسأله ، وذاك الطالب وأختبره، أضحك مرة ، وأزمجر أخرى ــ أُحَـاكي معلمي في المدرسة ــ “وفي يدي ” عصًا أهزها وأشير بها إلى طلابي ,وربما شطحت عصاتي ومالت فنالت بعض جسدي, ولم تنل أحدًا من طلابي الذين لاوجود لهم.

حلم يقظة كل يوم ,بل ربما أصبح حلم منام, لشدة تعلق الذهن.

وحين شبيت عن الطوق وترعرعت ــ كما يقال ــ ترعرع في نفسي ونما هذا الحلم، بل أصبح أملا أرجو تحقيقه ، كنت أنام بهذا الأمل ، وأتصبح به في صباح اليوم التالي حين أصحو .

وحين ولجت صفوف المرحلة المتوسطة كبر معي الأمل أكثر وأكثر ، وأصبح هاجسا في خلوتي وتفكيري, وصح يقيني في صواب أملي ومشروعي .

حالت الظروف بيني وبين أملي الذي كنت أبيت أنا وهو في لحاف واحد ، ثم ننهض من البكرة فلا نفترق عن بعضنا سحابة يومنا .

انتهى الحلم، و تبخر المشروع .

وإن فقدت هذا الأمل في مشروعي فقد عوضني الله بمثله من طريق آخر، وذلك عن طريق إمامة الجوامع وخطب الجمعة ودروس المسجد ،والوعظ والإرشاد والمحاضرات العلمية في المساجد ، فكل هذا يلتقي مع رغبتي وطموحي ويحقق هدفي النبيل ورسالتي السامية في الحياة .

وهنا أرى وظيفتين أو ثلاث هن رسالة حياة .

ألأولى : المعلم , الثانية : الإمام والخطيب , الثالثة : الداعية.

لا أُ قَـلِّل من شأن أي وظيفة فكل وظيفة لها رسالتها وخطرها، ولها أمانتها ,ومهامها، وجميع الوظائف وحدة متكاملة تلتقي في مصلحة المجتمع, وخدمة الدين والوطن والمليك.

هذه الوظائف الثلاث حِـمْلُها ثقيل وخطبها جسيم وخطرها جلل، نأت عن حملها السموات والأرض واعتذرت عن تكاليفها , وحملها كتف العبد الضعيف.

لكنها مع هذا حين يقوم أصحابها بالوفاء بحقها وواجبها واستشعار مسؤوليتها , وحين يدركون أنها رسالة حياة أكثر من كونها مصدر عمل وراتب, حينها يكون في صحائف أعمالهم أجرٌ وحسناتٌ لا يعلم قدرها إلاّ الله ، يكفي قول رسول الله ﷺ : ( إن الله عز وجل وملائكته، و أهل السموات والأرض ، حتى النملة في جحرها ، وحتى الحوت ، ليصلون على معلم الناس الخير) [1]

هذه الوظائف الثلاث يجمعها شيء واحد وهو : أنها تلتقي مع رسالة النبوة ، فهي رسالة تربية وتعليم وتوجيه ,وأخْـــذًا بيد الجاهل والضعيف والمتعثِّر.

التعليم والإمامة والخطابة والدعوة والإرشاد ليست وظائف يتحصل منها راتب شهري ، بل هي فوق كونها مسؤولية فهي هدف نبيل ورسالة سامية ، يستمر أثرها في الناشئة والأجيال .

هي تربية وتعليم ، هي تهذيب وتقويم ، هي غرس الأيام وثمرة الصبر وحصاد الإخلاص .

هي ذكر لك في الأرض ،وأجر وحسنات في السماء .

التعليم هو سبيل الإصلاح الذي يـبني الأمم , هو سبيل التقدم , هو الحضارة, وميدان السَّبق.

هو السلاح الناجح والدواء الناجع الذي يحفظ عقول الناشئة من الانحراف, هو طريق استثمار العقول والمواهب.

احترام المعلم وتقديره حق من حقوقه على أبنائه الطلاب, يجب الاعتراف بفضله وأن يحفظوا له اكرامه وتقديره .

وواجب المجتمع الذي جعل المعلم حارسا على أبنائه في مراحلهم العمرية المختلفة أن يحفظ للمعلم مكانته وأن نربي أبناءنا علي زرع قيم الإجلال والتقدير في نفوسهم لمعلميهم.

وفي ظل جائحة “كورونا” فقد أبلى المعلمون والمعلمات بلاءً حسنا, وقاموا بمسؤوليتهم نحو وطنهم وأبنائهم الطلاب, وأخلصوا في رسالتهم , وقـدَّمُوا نماذجَ رائعة ومُـشّـرِّفة في الإخلاص والتفاني في أداء الواجب, فلهم منا صادق الدعاء وخالص الشكر والثناء.

هنيئا لكم أيها المعلمون حين تقومون بدوركم وتستشعرون الأمانة والهدف والرسالة.

وشكر لما بذلتموه وتبذلون.

قال أحمد شوقي ثَــنَـاءً على المعلم :

قــم للمعـــــلم وفِّــــــهِ التبجيـــــلا

             *** كاد المــعلم أن يكون رســــولا

أعلمت أشرف أو أجل من الذي

            *** يبني وينشئ أنفسا وعقـــــولا

سبحانـــــك اللــــهم خيــــرَ معلِّم

           ***  علّمت بالقــلم القُـــرونَ الأولى

أخرجت هــذا العقــــل من ظلماته

                *** وهديته النــور المبين سبيـــلا

أرسلت بالتــوراة موسى مرشــــدا

                 *** وابنَ البـتول فعـــــلّم الإنجيـلا

وفجـــرت ينبـوع البيـــان محـــــمدا

               *** فسقى الحديث وناول التنزيلا

والقصيدة طويلة أكتفي بما تقدم.

أبو هاشم

[1] : حديث صحيح أخرجه الترمذي (2685)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock