الاعلام والسير

صانعو التاريخ ومعلمو الأجيال ( 14) ” الشهيد الأول في الإسلام” سمية أم عمار ( 3 ــ 3)

البيرق : منصور ال هاشم

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين

وبعد أيها الأعزاء

سمية نالت الشهادة والوسام والشرف المتناهي بعد أن طعنها أبو جهل بحربته الظالمة، لتكون أول شهيدة في الإسلام، لتكون سيرتها رسالة لبنات جنسها على مر الأيام والسنين وطول الدهر في كل حين، لقد كانت رمز الثبات على الحق ،فلا يوجد أغلى من الدين ولا أعظم من الإيمان، لقد هانت عليها روحها، ولم يهن عليها دينها.

لم تنته قصة سمية باستشهادها، فــقد بقي المشهد الآخر المتعلق بقاتلها ” أبي جهل”

بقي القصاص العاجل والثأر لسمية :﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (ابراهيم :42)

قاتل سمية (أبو جهل) عمرو بن هشام لقد كان للقَــدَرِ معه موعد وأي موعد.

سبحانك اللهم كيف تهيء الأقدار وتُـسَبِّــبِ الأسباب .

ويأتي القصاص العادل سريعا!!!.

لقي أبو سفيان أهل مكة في مَسِيرهِـم وطريقهم إلى بدر، فقال أبو سفيان لأهل مكة : لقد نجت العير فارجعوا ولا حاجة لكم في القتال بعد نجاة أموالكم، فقرر كبير القوم عتبة بن ربيعة العودة إلى مكة ،لكن عارضَه أبو جهل فقال : ” لا نرجع حتى نَــرِدَ ماء بدرٍ وتَـعْـزِفْ القِـيَان ونَـدُقَّ الطبول وتسمع بنا العرب”.

كان يظن أن النصر حليفه، هذا ما في حسابه ومِــيزانه الذي يزن به الأمور، لكنه جَــهِـلَ وهذه عادته فهو ” أبو جهل ” جهل دائم استبد بعقله وأفعاله ،فهو جهول لا يدري ما هو حساب القَــدَر وميزانه.

أبى إلاّ الحرب، وهو لا يدري أن ثَـمَّ هلاكه وحتفه, وسيلقى سمية وثأرها ودمها الزكي.

أبى إلاّ الحرب وهولا يدري أن فيها القصاصَ العادلَ للضعفاء ،ومحاسبته ونهايته.

لا يشعر ولا يدري ، ولكنه القدر، لينتقم الله لسمية فـيُـقْـتَلَ هناك كما قَتَلَ هو سمية.

قُـتِلَ يوم بدر على يد معوذ ومعاذ أبناء عفراء ،وقد كانا شَابَّين صغيرين في نحو السادسة عشر من العمر، غير أنهما تركاه وبه رَمَق ،ثم وجده عبد الله بن مسعود وهو يصارع الموت، فوضع رجله على عنقه وأخذ لحيته ليحتَــزَّ رأسه، وقال له : “هل أخزاك الله يا عدو الله؟! ” فقال أبو جهل لابن مسعود : “أخبرني لمن الدائرة اليوم؟” قال : “لله ورسوله”، ثم قال لابن مسعود وقد وضع ابن مسعود رجله على عنق أبي جهل “لقد ارتقيت مرتقى صعبًا يا رُوَيْعِيَ الغنم”. فأجهز عليه ابن مسعود واحتز رأسه، وجاء به إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، هذا رأس عدو الله أبي جهل.

هذه نهاية عدو الله الظالم ، لقد لقي جزاءه في غزوة بدر الكبرى، لقد قتل من آذى الله ورسوله والمؤمنين، لقد أخذ القدر بثأر سميَّة ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ (الفجر:14)

ولما قتل أبو جهل يوم بدر قال النبي ﷺ لعمار بن ياسر( قتل الله قاتل أمك) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الإصابة 4/335 : إسناده صحيح عن مجاهد.

قَـدَّم أولئك الأبرار أرواحهم الطاهرة ودماءهم الزكية لتعلو كلمةُ الله فوق كل كلمة، لترفرف كلمة التوحيد فوق كل أرض وتحت كل سماء شامخة عالية ، لتكون كلمة الله هي العليا ،وكلمة الذين كفروا السفلى ولتَــتَــحَـطَّمَ اللات والعزى وهبل، فلا “لات ولا عزى ولا هُبَل” ليصل إليـنا هذا الدينُ غضاً طرياً فَـدَوه بالأرواح والمُـهَـجِ، وحملوا من أجله الأهوال التي نأت بحملها رواسِيَ الجبال .

وقبل أن نودع المشهد ونسدل الستار على السيرة العظيمة لسمية المؤمنة الصابرة تعالوا نرى الفوارق بين الأجيال :

لقد دفع عَــــنَّـا أولئك الأبرار ــ رجالا ونساءً ، كبارا وصغاراً، عبيداً وأحراراً ــ الثمن غالياً ،بل باهظا لتعلو كلمة الله وحسابهم على الله.

فماذا قَــدَّمـنَا نحن لهذا الدين؟؟

قَــدَّمُوا وأحجمنا، وبذَلُوا ونحن بخلنا ، وبَــنَــوا ونحن هدمنا.

أبناء المسلمين اليوم وقد أخذوا دينهم على طبق من ذهب دون عناء ودون أن يقدموا في سبيله أدنى ثمن ، يعيشون في أمن وأمان ولله الحمد، ويتمكنون من أداء شعائر دينهم بحرية تامة، ومع ذلك يستكثر البعض منا أن يمشي بضع خطوات إلى بيت من بيوت الله يؤدي فريضة من فرائض الله لبضعِ دقائق فقط.

فكم هو الفرق بيننا وبين آبائنا وأسلافنا الصالحين .

ليتنا نقتبس الموعظة والعبرة من سيرة أسلافنا الصالحين ونتخذ منهم القدوة الراشدة التي تسير بنا في طريق الفلاح والنجاح والسعادة في الدنيا والأخرة أولئك الأبرار “هانت عليهم أرواحهم ولم يهن عليهم دينهم” ونحن ياللأسف هان على بعض المسلمين اليوم دينه فيتنازل عنه بلا ثمن ،وإنا لله وإنا إليه راجعون .

ليت بعض أبناء المسلمين اليوم يتكرم على هذا الدين وهذه الملة وأبناء الأمة فيريح الدين والمسلمين من شره وأفكاره وطروحاته وثقافته التي يظنها علما.

ليته يُــلْـقِــي من يده معول الهدم الذي لم يجد لمعوله عملا إلاّ الهدم والنَّــخْر في صرح هذا الدين وبنيان هذه الملة.

إن الاعتبار وإِعْـمَالِ البصيرةِ يدل على العقول المستنيرة، ويهدي إلى النجاة من الهَلكات، ومن حُرِم الاعتبار لم ينفعه الادّكار، فأصبح من النادمين.

اللهم أهدنا جميعا صراطك المستقيم ودينك القويم واخرجنا من الظلمات إلى النور يارحمن يا رحيم وخذ بنواصينا إلى رضاك وطاعتك يا كريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock