الاعلام والسير

صانعو التاريخ ومعلمو الأجيال ( 13) ” الشهيد الأول في الإسلام” سمية أم عمار ( 2 ــ 3)

البيرق : منصور ال هاشم

” هانت عليها روحها ولم يهن عليها دينها “.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد

لم يعد أولئك الجلادون يريدون من سمية سوى أن تقول كلمة عن محمد ودينه ولو بلسانها.

لا لِيُخَــلِّـصُوها من العذاب، فهم يرونها صابرة ثابتة مُـتَـحَمِّلَة ،بل لِـتُـخَـلِّـصَـهم هم أنفسهم من الآم العذاب الذي كان يضنيهم ويعذبهم نَفسيّاً أكثر مما يضنيها جسديًا، وعندها سوف يطلقون سراحها لترتاح نفوسهم مما يجدون من ألآم خـيـبتهم وليحفظوا كرامتهم .

كانوا ينظرون إلى شفـتيها ،ينتظرون أن تنطق بكلمة تريحهم من عَـنَـائهم وليحفظوا كِـبْـرِياءهم ،ولكن تمر الأيام تلو الأيام ،وتبقى سمية ثابتة تحت وقع سياطهم مطمئنة الجنان، ثابتة القول، وتبقى الخيـبة والحسرة والخـزي نَــصيب الجلاَّدين العتاة الظالمين.

لقد أذاقـتهم الذل والهوان ،وأشعرتهم بالهزيمة، وأدركوا خيـبتهم أمام تلك الأَمَــــة الضعيفة.

لقد نالت سمية من العذاب ألواناً وأهوالاً يعجز عن حَـمْلِها صناديدُ الرجال .

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمرُّ بسميَّة وزوجها وابنها عمَّار ــ رضي الله عنهم ــ وهم يُعذَّبون في رمضاء مكة ولكنه لا يملك لهم شيـئـًا من كف أذى قريش عنهم ,فقد كان هو ذاته ﷺ لم يسلم من أذى قريش حتى إنهم تَـحَــيَّــنُـوا صلاته ﷺ جوار الكعبة يوماً فألقوا عليه سلى الجزور وهو ساجد لربه، إلى أن أتت ابنته فاطمة ــ رضي الله عنهاــ فدفعت عنه الأذى.

روى عبدالله بن مسعود قال:(بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان، فيجيء به، ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفي محمد ؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد ما يرفع رأسه حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جويرية، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته، رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا ،دعا ثلاثا، وإذا سأل، سأل ثلاثا، ثم قال: اللهم، عليك بقريش ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: اللهم، عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد ، فو الذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق، لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، ــ قليب بدر ) [1]

كان رسول الله ﷺ يَـمُـرُّ بياسر وسمية وابنهما عمار وهم يعذَبون فيرمقهم ﷺ بعينه الحانية الرحيمة ثم يقول لهم ﷺ كلمات المؤازرة والتثبيت والبِــشَارة : ” صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة”.

هذا هو ثمن إيمانكم ،وبلائكم ،وصبركم ،وثباتكم “جنة عرضها السموات والأرض”

ما أن يسمعوا رسول الله ﷺ تنطق شفتاه بهذه الكلمات حتى تطفئ لهيب السياط وبواعث الألم فتكون بردا وسلاما لما يلاقون من الأهوال والنكال.

ما أن يسمعوها حتى تكون بلسما لجروحهم وآلامهم ، ما أن يسمعوا كلمات رسول الله ﷺ حتى تكون مَــدَدا لقوتهم وصبرهم وثباتهم وعـزيـمـتهم.

نسي الجميع آلامهم عند سماعهم تلك الكلمات من رسول الله ﷺ وتلك البشارة العظيمة. شعروا ببرد اليقين ،ولذَّة الأمن، وطمأنينة الرضوان من ربهم الرحمن, فثبت الجنان ،واستعذبوا ما يلاقون وما يجدون من هول العذاب، والثبات يملأ قلوبهم ونفوسهم وهم يسمعون كلمات النبي ﷺ وبشارته بما من أجله أسلموا وبه آمنوا .

وتبقى سمية تحت أسواط العذاب في محاولات لردها عن دينها، لكن الإيمان راسخٌ في قلبها فكان ما تلاقيه بردا وسلاما “لقد هانت عليها روحها ولم يهن عليها دينها “.

وتأتي كلمات الجلادين ووعــيدهم بالانتقام والتنكيل : سنجعلها عبرة لمن يعتبر، هكذا قالوا.

وذات يوم وقد أخذ أبو جهل يساومها على إسلامها لكنها تأبَّــت عليه وقد ساومها من قبل ولكنه رأى نفسه في هذا اليوم أشدَّ عجزا وأقَلَّ حيلة وأكثر خِــزْياً وعارًا عن كل يوم مضى ، فسمية خَيَّبت آماله، وحطمت كبرياءه، ومرغت كرامته بالتراب، فغضب غضبا شديدا أمام صبرها العظيم وإيمانها العميق وعجزه المتناهي وخيبته الكُبرى .

لم يصدق أنه سيد من سادات قريش تجابهه أمَـةٌ يراها ضعيفة حقيرة قليلة الحيلة .

فثارت ثائرته فطعنها بحربة كانت في يده، لقد طعنها أبو جهل بطريقة وحشيّة لم تعهدها العرب من قبل، طعنها في موطن عفتها ،فماتت سمية أم عمار أمام زوجها وولدها، فاستشهدت وسالت الدماء الزكية الطاهرة لله ومن أجل دين الله .

كان دمُــها أولَ دَمٍ أُهْــريقَ في الإسلام، فكانت أول شهيد في الإسلام .

ماتت ولم تتنازل عن شيء من دينها الذي آمنت به وثبتت أمام سطوة الجّلاّدين ثباتاً ليس له مثيل ولا نظير من امرأة تحدَّت كبار كفار مكة وجلاديها ومستكبريها.

قتلوها وهي تأبى أن ترجع عن الإسلام ولو بكلمةٍ من وراء قلبها.

رغم كبر سنِّها إلا أنَّها ثبتت ثباتًا عجيبًا يعجز عنه فُـتُـوَّةُ الرجال الأقوياء أمام سطوة أبي جهل الذي يتولَّى تعذيبها بقلب غليظ قاسٍ، وهي ترفضُ الرجوع عن الإسلام لو قيدَ أنملة.

قتلوها وهي تأبى إلا رضيت بالله ربا ،وبالإسلام دينا وبمحمدٍ ﷺ نبيا ورسولا ، فقد ملأ الله قلبها بنور الإيمان واليقين .

فكان دمها أول الدماء الزكية التي تُــهْــرَاق من أجل هذا الدين العظيم .

كَـتَـبَتْ بدمها الطاهر الزكي قوة المرأة المسلمة في سبيل دينها، فبقيت سمية أم عمار رمز الثبات على الحق يستقي منه المسلمون القدوة والأسوة .

لقد فُـتِنَتْ سمية بسبب دينها وإيمانها ولم تخرج من محنتها وفتنتها إلاّ بخروج روحها الطاهرة فأروت تضحيــتَــهَــا بدمها الطاهر الزَّكي “تهون روحي ولا يهون ديني”

لقد حطمت سمية آمال كفار قريش وأهانت كبرياءهم ومرغت كرامة جلاديها في التراب .

حطمت أمالهم على صخرة الثبات الذي صنعه إيمانها وألقت بتلك الصخرة في طريقهم فتعثروا بها فلم ينهضوا من كبوتهم إلاَّ على وقع الخَـيْـبَة والهزيمة، فلم يظفروا منها ولو بكلمة تحفظ كرامتهم ،فجعلتهم يكرعون مرارة الخزي والذل والصغار والهوان لا هنيئا ولا مريئا .

لقد صنعت سمية عِــزَّا شامخا لا يُـنْـسَى وتاريخا متجددا لا يَـبْـلَىَ ما بقيَ الليل والنهار.

لقد أرست سمية منهج المدرسة التي يتربى فيها الأجيال فكان مقررها ” تهون الروح ولا يهون الدين” فرضي الله عنها وأعلى مكانها في الفردوس الأعلى.

البقية في اللقاء القادم إن شاء الله .

المصادر

[1] : أخرجه البخاري (240و520) ومسلم (1794)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock