الاعلام والسير

صانعو التاريخ” (12) الشهيد الأول في الإسلام” سمية أم عمار (1 ــ 3)

البيرق : منصور ال هاشم

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام  على المبعوث رحمة للعالمين وبعد

في هذا اليوم أحلق بكم أيها الأعزاء في الأعالي والمعالي، تحليق مع نموذج فريد قل نظيره وعَــزَّ مَـثِـيلُه في تاريخ البشرية قاطبة، نموذج لاقى الصعاب وكابد الأهوال التي ينوء بحملها الرجال الأقوياء ، نموذج ذاق ألوان العذاب من أجل الله وفي ذات الله، فصبر وصابر على الشدائد حتى خرج منها منتصراً.

لوكان هذا النموذج رجلٌ من صناديد الرجال الشجعان الأبطال لَـحُـقَّ له أن يكون حديث المجالس والرجال والفتيان ،وأعجوبة الزمان ، فما بالك وهذا النموذج امرأة، فما بالك وهي امرأة تقدمت بها الأيام نحو الكهولة والضعف والكِــبَر.

فلله الإيمان ماذا يصنع بأهله

لله الإيمان كيف تستعذب به النفوس البلاء ، ويتحول بردا وسلاما.

إنه يخرق العادات ويصنع المعجزات ويحلق بالأرواح في عُـلو السموات .

قصة تقضي بالعجب ،تُحْبَـس معها الأنفاس، وتدعو للتأمل والتفكر، وتقتبس منها العبرة والعِــظات والدروس.

نرى الصراع بين الحق والباطل، ونشهد المغالبة بين أولياء الرحمن وحزب الشيطان ،بين الكفر والإيمان، ونشهد تَـفَـوَّق الحق على صولة الباطل ،فالباطل جولة والحق دولة.

ها نحن في مكة قِبْلَة الدنيا ،ومهبط الوحي ونور القرآن، وها هو رسول الله ﷺ في الأيام الأولى للدّعوة المباركة وحوله نفرٌ من أصحابه يُـعَــدُّون على رؤوس الأصابع ليس إلاَّ.

لم يُــصْـغ كثير من أهل مكة لدعوة التوحيد التي نادى بها رسول الله رسول الرحمة والإنسانية ومنقذ البشرية، بل لم يتركوا الناس وشانهم واختيارهم وقناعتهم فلاهم قَـبِـلوها ولم يَـتـركوا الناس يقبلوها.

لذلك كان المسلمون الأوائل في مكة يلاقون العنت من كفار قريش فتمتد اليهم يد قريش بالأذى والبطش والتعذيب، وبخاصة أولئك الذين لم يكن لهم أهلون ولا عشيرة تمنعهم وتحميهم من أذى كفار قريش المتسلطين، أمثال أبي جهل، وعقبة بن أبي معيط ،وأمية بن خلف ،وعتبة بن ربيعة ،واضرابهم من عتاة المستكبرين ، المجرمين المعاندين.

فهذا بلال رضي الله عنه يُـعَـذّب ويسحق في رمضاء مكة المحرقة وتحت صخورها الملتهبة التي يضعها كفار مكة فوق صدره وقت قَــيْـضِ الظهيرة ولهيبها المستعر ليصدوه عن دين الله، وهذا ياسر وابنه عمار بل وزوجه سمية.

مُعَذَّبة صابرة محتسبة وسمية زوج ياسر امرأة مسلمة طاعنة في السن تقدمت بها الأيام.

لكنها امرأة من طراز نادر في الثبات على الحق والشجاعة واليقين.

عاشت في دينها عمرا قصيرا ولكنه كان مليئًا بالصبر والشجاعة والبطولة والثبات على الحق الذي أمنت به .

والعمر هنا لا يُقَاس بالأيام والسنوات بقدر ما يقاس بقوة القناعة وقوة الثبات واليقين .

ولهذا حَـمَلَـتْـهَـا صفحات التاريخ والسُّمو مع مَــشْـرِقِ كل شمس، لتردد الأجيال عمق إيمانها وعظيم ثباتها ،فكانت من الخالدين، حتى غدا اسمها علمُ في راسه نار ، فتسأل أي مسلم أو مسلمة في شرق العالم وغربه وشماله وجنوبه عن اسم سمية بدون سرد تفاصيل نسبها فلا يتلعثم ولا يتردد ليقول لك هي : “الشهيدة الأولى في الإسلام بنت خياط”

فَـغَــدَت قدوة الثبات للمرأة المسلمة في كل زمان ومكان، ومثالا ناصعا على الانتصار بالله، والاعتزاز بالانتساب إلى دينه، تهون عليها الحياة ولا يهون عليها دينها.

البداية: مع ياسر بن عامر بن مالك العنسي ، وهو رجل يمني قدم إلى مكة ليبحث عن أخ له فقده منذ سنوات، لكنه طاب له العيش في مكة فاستقر فيها .

ومكة كان لها قوانينها في الإقامة فيها، بل معظم قبائل العرب في ذلك الزمن لم يكن للشخص الغريب عنهم أن يعيش بينهم دون أن يدخل في جوار وحِــلْــفِ أحد من سادة القبيلة ليحالفه فيحميه، فدخل ياسر في جوار أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي ،وقد كانت سمية أم عمار بن ياسر أمَـةً لأبي حذيفة هذا ” أبوجهل” فزوَّجها من حليفِه ياسر بن عامر .

جاء نور الله بالهداية الربانية والرسالة المحمدية والرحمة العالمية ،وكانت دارُ الأرقم بن أبي الأرقم المدرسةَ الإسلامية الأولى، التي ولَــجَـهَا المسلمون الأوائل.

ودبت قدم سمية واسرتها إلى دار الأرقم ،فكانت على موعد مع شعاعُ هذه الرسالة ونور الإيمان فدخل الإيمان قلوب هذه الأسرة بكاملها (ياسر وزوجه سمية وابنهما عمار).

في شخصية المؤمنة العظيمة سمية أو خلافها من المؤمنين والمؤمنات لا يعنيني اسمها الكامل وحسبها ونسبها ويكفيني عن ذلك كله أنها سمية بنت الإسلام العظيم الذي رفع ذكرها ، وعظَّمَ قدرها ،وأعلى شأنها ،فهذا أشرف وأعَــزُّ نسب، وأعظم وأعلى مكتسب يسعى إليه مُـنْـتَسِبٌ ومن يبحث عن الحَـسَـب.

لَـمَّـا أسلمت سمية أم عمار هي وزوجها ياسر بن عامر وابنهما عمار (آل ياسر) غضبَ عليهم مواليهم بنو مخزومٍ غضبًا شديدًا، وساوموهم على ترك هذا الدين الجديد الذي يُــحَـقِّـرُ الأصنام وينهى عن الأزلام وعبادة الأوثان، ولكن نور الإسلام لا يَــخْـبُو ولذة الإيمان لا تُــقاوم ، ولا يساويها أو يوازنها شيء آخر، ليس هناك شيء في الحياة يستحق أن يكون عوضا عن الإيمان بالله ورسوله ﷺ ،فلما أبت عليهم وامتنعت عن إجابتهم ومرادهم بعد كل محاولاتهم بالوعد حيناً والوعيد حينًا أخَـرَ لصدها عن دين الله قرروا التنكيل بها .

فإذا لم يـنـفع الوعد فلم يَـبْـقَ إلاَّ الوعيد .

وعلى غير عادات العرب وتقاليدها التي كانت تحمي المرأة ولا يتعرضون لها بالأذى فقد تجاوزوا هذا العرف وهذه القيم والتقاليد لمحاولة الوصول إلى مبتغاهم.

فكانوا يخرجون بها إلى رمال مكة الملتهبة في فيح الظهيرة المستعر كلهيب الجحيم.

يخرجونها كل يوم، ويبدؤون في صب صنوف الأذى و العذاب عليها وعلى زوجها ياسر وابنها عمار، ضرباً بالسياط، وسحلاً على الرمال والرمضاء الملتهبة، حيث لم يكن لهم أحد يمنعهم أو يحميهم من أذى المشركين.

لقد كان الجلادون يتلذذون بالنظر إلى جروحهم ودمائهم، ويستعذبون أصوات آلامهم، وكانوا يتناوبون على تعذيب هؤلاء الضعفاء، كلما اُرْهِــقَ جلاد تولى التنكيل جلاَّدٌ أخر.

ها هي سمية والأغلال في يديها وقدميها، وأحد رجال بني مخزوم يهوي بالسوط على جسدها النحيل الواهي فيأكل السوط بعض لحمها، وبعد أن ضربها رمى السوط من يده وهو يعض على شفتيه غيظًا وحنقًا والعرق يَـتَـصبَّـبُه.

نظر إليها بِـحُـنْقٍ واستغرابٍ وهي ما تزال على حالها، تنظر إلى السماء بعين الرضى في طمأنينة تامَّـة ، وصَبرٍ، وجَلَدٍ وقد فَــتَــرَ ثغرها عن ابتسامة عجيبة رغم الضعف والآلام والجراح والدماء التي تصب من جسدها.

كان قلب هذا الجلاَّد يخفق بشدة وقد أعياه العطش وهَـدَّه الإعياءُ والتعب، لم يستطع عقله المُــظْـلِم أن يُـفَسِّر ما يجري، كيف تملك هذه الأَمَة الحقيرة كل تلك القوة رغم ضعفها وهوانها، لماذا يشعر هو بالخوف من نظراتها إليه أليس هو السيد؟ أليس هو من يمسك السوط ويضرب ويعذب ويجلد، لماذا يخاف إذن؟ عاد إلى أصحابه وألقى السوط إلى جلاَّدٍ آخر ليكمل المهمة، لقد حَـارَ وبَـارَ وتَـنَـازعَـتْه الأفكار أمام ثبات سمية.

للحديث بقية 👈

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock