مقـالات وكـتاب

العجب في رجب (3 ـ 4) ✍ الشيخ منصور هاشم

.

البيرق : الشيخ منصور ال هاشم

 

الحمد لله على نعمه وآلائه وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله خاتم أنبيائه صلى الله عليه واله أما بعد

توقف الحديث في اللقاء السابق عند قوله سبحانه : ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ {الأحزاب : 21} الأسوة برسول الله ﷺ كما تكون بفعل العمل المأمور به تكون كذلك بترك ما تَـرَك ﷺ ،ألا ترى أننا نترك نافلة صلاة الظهر والمغرب والعشاء في حال السفر، فترك تلك السنن سنة نبوية، وفعلها بدعة.

إن فعلنا مالم يفعله رسول الله ﷺ أصلا ولا أصحابه ــ من فضائل أعمال رجب المزعومة ــ نكون دخلنا دائرة نهيه ﷺ حين قال : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد) الراوي : عائشة أم المؤمنين .

أخرجه البخاري (2697) ومسلم (1718)

وفي الرواية الأخرى قال ﷺ :(من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.) . أخرجه مسلم (1718) وهذه هي البدعة .

قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده فإن معناه من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه، ثم قال : قال النووي : هذا الحديث مما ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به ،ثم قال ــ ابن حجرــ : وقال الطرقي : هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع ….. وهذا الحديث مقدمة كبرى في إثبات كل حكم شرعي ونفيه…..)

الفتح (ج/5/302 ـ 303)

في رجب أيها الأحبة كما يقال يكثر العجب، وتكثر البدع والخرافات وهي بدع محدثات لا أصل لها في دين الله، وليس لها مستند شرعي.

هذه المحدثات تُـفْعَل باسم التقرب الى الله من غير علم ولا بصيرة .

وما يفعله بعض المسلمين في رجب من صيام أول جمعة فيه، والصلاة الرجبية، أو تخصيص بعض أيامه بصيام ،أو تخصيص لياليه بقيام أو ذبح نسك أو غير هذا من العبادات إنما هو مما يرجون ثوابها من رب العالمين. فلنعد إلى تلك القاعدة سابقة الذكر التي أَصّــلَها العلماء وهي : الأصل في العبادات المنع والحظر إلاَّ بنَصٍ، لنطبقها على ما يفعله هؤلاء الصالحون الذين يريدون الخير زعموا، وستكون النتيجة على ضوئها ” المَـنْـعُ منها” وفعلوا أعمالاً لا يُثَابُون عليها لأنه لم يثبت شيء عن رسول الله ﷺ بخصوص هذا الشهر ولم يندب إلى فعل شيءٍ من الطاعات في هذه الليالي والأيام.

من حق يأخذك العجب والدهشة حينما ترى بعض المسلمين ينشطون في عبادات غير مشروعة ،وبدع لم يأذن الله بها، ويروِّجون لها ويُغَالِطونَ في طريقة الاستدلال، ويَرَونَ أنفسهم تميزوا على غيرهم بفعلها وفاضلوهم ، مع أنهم بالمقابل ربما يُـضَيِّعُونَ بعض الواجبات الشرعية الثابتة بأدلتها الصحيحة. بعض المسلمين يقصّر في الواجب المشروع الذي لا خلاف فيه ، ويتعب نفسه ويجتهد في البدع ، ويشاغب من أجلها، ولربما لو بــينت له الصواب يأبى الاّ ما في قناعته مع أن الأمر بخلاف ظنه وقناعته.

يا أيها الحبيب كما أنك تزعم محبة العمل الصالح فأصحاب الرأي الأخر الممانعون هم مثلك يحبون الله ورسوله، فلو كان هذا مما يقرب إلى الله لما حرموا أنفسهم منه ، لكن الفرق بين الفريقين أن المانعين يحجمون أن يتقدموا بين يدي الله ورسوله إلاّ بنصٍ، فلذلك لا يَـرِدُونَ الماء إلاّ حين يؤذن لهم في السِّقَاء، والطرف الأخر يَتَقَحَّمُون بلا إذن من الله ولا من رسوله ﷺ وهم بذلك يقعون في التقدم بين يدي الله وقد قال سبحانه ناهيا عن ذلك : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ {الحجرات : 1} ويقعون في التقدم على رسول الله ﷺ وقد قال : (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أيها الحبيب المحب للعمل الصالح ،أهل العلم قالوا كلمة الفصل، فلا مُحَاجّة من بعد قولهم، وهنا أهمس في أذنك فأقول أولا : ما تفعله لا تستطيع أن تقول أنه سنة لأنك لو قلت سنة فهذا يعني أنه سبقك إليه رسول الله ﷺ ، وهذا مالا تستطيع اثباته.

ثانيًا قال الله سبحانه : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ {آل عمران : 103} وهذه الآية تُـشَـدِّد على اجتماع الأمة وعدم تفرقها. واجتماع كلمة الأمة فريضة شرعية يجب حفظها وصونها والعمل على التألف بين أبناء الأمة ، وما تفعله من هذه الرغائب والفضائل فهو في أحسن أحواله عندك جائزا ، وفعلك هذا فرق أفراد الأمة وأبناء الملة إلى فريقين ، فتكون بهذا خالفت أمر الله وحكمه في الآية السابقة، فَـفَـعَلت جائزا وضَيَّـعْتَ فريضة ، هذا لا يفـعله عاقل، والعقل مناط التكليف فاستخدم عقلك، وحافظ على لُـحْـمَـةَ الأمة فذلك فريضة شرعية عظيمة أعظم بكثير وكثير مما تفعل.

نلتقي غدا إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock