ساحة الأدب والخواطر

عشاق قتلهم الحب (1) قصة الرومية التي أحبت غلاماً مسلماً وماتت كمداً عليه.

البيرق : محمد الحمري

.

يقول الشاعر ” الحب في الأرض بعض من تخيلنا لو لم نجده عليها لاخترعناهُ”
وقصص العشاق في التاريخ والروايات تثير في نفوسنا الشجن والتعاطف ، وأحداثها تحرك فينا الاقدام والاحجام والكر والفر وما بين المد والجذر تظل مآسيها شاهده على صمود المحبين وقناعتهم مهما كانت خيبات الأمل التى تكدر صفو حياتهم والقصة التي بين ايدينا يرويها الجاحظ.

حكى الجاحظ قال أخبرني فتى من أصحاب الحديث قال دخلت ديراً في بعض المنازل لما ذكر لي أن به راهباً حسن المعرفة بإخبار الناس وأيامهم فسرت له لأسمع كلامه فوجدته في حجرة معتزلة بالدير وهو على أحسن هيئة في زي المسلمين فكلمته فوجدت عنده من المعرفة أكثر مما وصفوا فسألت عن سبب إسلامه فحدثني أن جارية من بنات الروم كانت في هذا الدير نصرانية كثيرة المال بارعة الجمال عديمة الشكل والمثال فأحبت غلاماً مسلماً خياطاً وكانت تبذل له مالها ونفسها والغلام يعرض عن ذلك ولا يلتفت إليها وامتنع عن المرور بالدير .     فلما أعيتها الحيلة فيه طلبت رجلاً ماهراً في التصوير وأعطته مائة دينار على أن يصور لها صورة الغلام في دائرة على شكله وهيئته ففعل المصور فلم تخطىء الصورة شيئاً منه غير النطق وأتى بها إلى الجارية فلما أبصرتها أغمي عليها فلما أفاقت أعطت المصور مائة دينار أخرى وأخرج الراهب لي الصورة فرأيتها فكاد أن ينزل عقلي فلما خلت الجارية بالصورة رفعتها إلى حائط حجرتها وما زالت كل يوم تأتي الصورة وتقبلها وتلثم ما تحب منها ثم تجلس بين يديها وتبكي فإذا امست فما زالت على تلك الحال شهراً فمرض الغلام ومات فعملت الجارية مأتماً وعزاء سار ذكره في الآفاق وصارت مثلاً بينالناس ثم رجعت إلى الصورة وصارت تلثمها وتقبلها إلى أن أمست فماتت إلى جانبها فلما أصبحنا دخلنا عليها لنأخذ من خاطرها فوجدناها ميتة ويدها ممدودة إلى الحائط نحو الصورة وقد كتب عليه هذه الأبيات :

يا موتُ حسبك نفسي بعد سيّدها

. . . خذها إليك فقد أودت بما فيها

أسلمت وجهي إلى الرحمن مسلمةً

. . . ومتُّ حبيبٍ كان يعصيها

لعلّها في جنان الخلد يجمعها

. . . بمن تحبُّ غداً في البعث باريها

مات الحبيب وماتت بعده كمداً

. . . محبّةٌ لم تزل تُشقي محبّيها

قال الراهب فشاع الخبر وحملها المسلمون ودفنت إلى جانب قبر الغلام فلما أصبحنا دخلنا حجرتها فرأينا تحت ابيات شعرها مكتوباً :

اصبحت في راحةٍ مما جنته يدي

. . . وصرت جارة ربٍّ واحدٍ صمد

محا الإله ذنوبي كلّها وغدا

. . . قلبي خليّاً من الأحزان والكمد

لما قدمت إلى الرحمن مسلمةً

. . . وقلت : إنّك لم تولد ولم تلد

أثابني رحمةً منه ومغفرةً

. . . وأنعماً باقياتٍ آخر الأبد

 

_____________________

القصة وردت في كتاب أرقش للمؤلف تميم التميميع 2017.
والقصة مأخوذه من كتاب : طيب المذاق من ثمرات الأوراق للمؤلف : تقي الدين أبو بكر الحموي المعروف بابن حجة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock