عاجل

16 أغسطس، 2020

صانعو التاريخ _ جريج الراهب ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾

البيرق : الشيخ منصور ال هاشم

.

 

 

_________________________

رابط .. الحلقات السابقة .👈.. صانعو التاريخ ومعلمو الأجيال

_________________________  

.

صانعو التاريخ /جريج الراهب ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من بعثه الله لإخراج البشرية من الظلمات إلى النور رحمة للعالمين وبعد

المؤمنون إخوة تلتقي أرواحهم ،من أي دين كانوا ،وعن أي مذهب تَـفَـرَّعوا، ومن أي لون وجنس انحدروا، فوارق الزمان بينهم مهتوكة ،وجُــدُرُ الديار والمكان بينهم مَــهــدومَــةٌ ،لا تفصلهم حواجز الزمان ،ولا تفرق بينهم عوائق المكان، وشائج الإيمان تجمعهم و طاعة ومحبة الرحمن تربطهم ، فهي الرحم التي أنجبتهم وهي القُـرْبى التي بها يتواصلون ،و بها يتعارفون وعليها يتوالون ومن أجلها يتحابُّون .

وفي قصة اليوم سأخرج بكم أيها الأعزاء عن المألوف والنهج المعروف وسأحلق بكم مع صانع من صُــنَّاع التاريخ ومعلمي الأجيال في سماء لم تألفوها وسيرة أظنكم لا تجهلوها .

قصة من أحسن وأروع القصص وأصدقه ،يسرد تفاصيلها رسولنا الكريم ﷺ الذي يأتيه الخبر من السماء فيقول ﷺ : (…..كان جريج رجلا عابدا، فاتخذ صومعة، فكان فيها، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت يا جريج فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج فقال: يا رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرفت، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي فقالت: يا جريج فقال: أي رب أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات، فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته ،وكانت امرأةٌ بَـغِـيّ يُـتَـمَثَّلُ بِحُسْنِها، فقالت: إن شئتم لأفتِـنَـنَّه لكم، قال: فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته، فأمكنته من نفسها، فوقع عليها فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه ،فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البَـغِـي، فولدت منك، فقال: أين الصبي؟ فجاؤوا به، فقال: دعوني حتى أصلي، فصلى، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه، وقال: يا غلام من أبوك؟ قال: فلان الراعي، قال: فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا، أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا) [1]

.

كان جريج أحد عُبَّاد بني إسرائيل، حُبِّبت إليه العبادة والخلوة لها، حتى اتخذ لنفسه صومعة يعبد الله فيها بعيدا عن الناس وأسواقهم ولغطهم، فجاءته أمه يومًا لزيارته فنادته وكان يصلي فلم يجبها، وآثر الاستمرار في صلاته، لما يجد من حلاوة المناجاة ،ولَـذَّة الاتصال بالله تعالى من جهة ، ومن جهة لعَلَّه كان عابدا بغير كثير فقه في الدين ،لأنه ترك “الفرض” وهو ان يستجيب لأمه ،واستمر في” النفل” وهو “صلاة النافلة”، ثلاثة أيام تكرر أمه زيارتها له، وكان الواجب عليه أن يخفف صلاته وينصرف منها ،ليجيب أمه لأن ذلك أولى من إطالة صلاة النافلة ،إلا أنه لم يتبين له الأفضل ـ إتمام صلاته أم إجابة أمه ــ فغضبت أمه فدعت عليه، ودعوة الوالدين على الأبناء مستجابة .

تحدث بنو إسرائيل عن عبادة جريج وصلاحه وتقواه، فسمعت بَـغِـيٌّ من البغايا حسناءُ جميلة، فزعمت أنها لو تعرضت له لفتنته عن عبادته لله تعالى وأغرته بحسنها وجمالها.

فلما واجهت منه الصَّـدَّ والإعراض عنها بعد تعرُّضِهَا له، أرادت إلاَّ إهانته والنيل منه بأي لون ولو بالبهتان والزور، فأتت راعيا، فأمكنته من نفسها، فوقع عليها فحملت، فلما ولدت قالت: هو من جريج،

فأتاه بنو اسرائيل فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه ،لكن جريجا كان صادقًا في عبادته مع ربه، مخلصا له، فلما اجتمعت الجموع الناقمة عليه عَـلِـمَ أنَّ الله هو وحده هو الملاذ وبه المعاذ ومنه التأييد والفرج، فطلب منهم مهلة يصلي فيها ويدعو ربه ويناجيه وبصادق الدعاء يناديه ليكشف الكرب الذي ألمّ به﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾[2] فلا مُـنْـجِـيَ له ولا مُغِيْثَ إلاَّ الله وحده، فتوجه إلى ربه بقلبه وقالبه ،وخضع لله وخشع ،وسجد لربه وركع ،فما أسرع أن جاءه الغيث منهمراً ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾[3] كان عنده ثِـقَــة وحُـسنُ ظن بالله الذي يعلم السرائر، الله الرحيم الذي لا يترك عباده وأوليائه وأهل طاعته بل يدافع عن أوليائه ولا يتركهم فريسة لخصومهم وأعدائهم.

وبعد هذا المشهد بعد أن فرغ من صلاته جاء إلى الغلام الذي لم يمضِ على ولادته إلا سويعات قلائل، وطعن في بطنه بأصبعه وخاطبه قائلاً: من أبوك؟ والناس ينظرون في صمت ،متعجبين مشدوهين كيف يخاطب من كان في المهد صبيًا ،فأنطق الله عز وجل هذا الغلام ليكون آية براءة لجريج، نطق الغلام بكلام مسموع واضح مفهوم وقال أبي فلان الراعي. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾[4] فانكشف مكر المرأة البغي، ونصر الله هذا العبد الصالح، وحفظه من مكر الماكرين، وأبان للناس أنه عابد صالح لا يميل إلى شر وفساد وإثم ، وأنهم أخطأوا في إيذائه وتسرعوا في تصديق التهمة ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾[5] .

نَـجَّــى اللهُ جريجًا من كربته وأيده بكرامةٍ ترد عنه التهمة وتُبَــرِّئ ساحته مما رمي به ،كرامة وتكرمة من الله لأوليائه وجنده، والكرامة هي الأمر الخارق للعادة لكنه غير مقرونا بالتحدي بخلاف معجزة الأنبياء فهي أمر خارق للعادة مقرونا بالتحدي أحياناً.

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۝لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾[6]

أنطق الله تعالى الطفل في المهد حيث لا ينطق بالعادة طفلٌ في مهده، لكنها حكمة الله وإرادته ومشيئته لإثبات براءة جريج مما رَمَـتْــه به تلك المومس البغي ولتفريج كربته وما وقع فيه الضيق واستجاب الله دعاء عبده وتوسله﴿ وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾[7]

فلله الإيمان لله كيف يَـصنع المعجزات وخوارق العادات، ولله التقوى كيف تُــثْـمِرُ الفوزَ ولله الطاعة كيف تُحقق الفلاح ، ولله الصلاح كيف يجلب النجاح.

وهنا يصدق حديث رسول الله ﷺ ” تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة”

وهذا يسري في كل دين وملة ،وعلى كل أحد، كبيرا كان أم صغيرا ،وذكرا كان أم أنثى ، أبيض أم أسود ، حقيرا كان أم عظيماً.

(يا غلام إني أعلمك كلمات :احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم: أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف”. وفي رواية: “احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة……..)[8]

انظروا إلى ثمرة الإيمان وتمعنوا في قُرب الرحمن (اليقين وحسن الظن بالله)

لقد تحقق جريج رحمه الله بما في هذا الحديث من معانٍ سامية رفيعة.

اللهم حققنا بالإيمان وارزقنا لذة الإيمان وطعم الرضوان والعفو والغفران يارب يارحمن.

احذر دعاء الوالدين فما أسرع أن يستجيب الله لهما.

لقد صنع جريج التاريخ بما تلَبَّس به من الإيمان والتقوى والصلاح وحسن الظن والثقة بالله

وأرسى مدرسة الأجيال ومنهجها فكان مقررها ” احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك”

“تجده تجاهك” معك قريب منك لا يتخلَّى عنك ولا يتركك فريسة لخصومك وعدوِّك.

هذا هو المنهج الذي لا يتبدل في كل دين وفي كل زمان وفي أي مكان ومع كل كائن من كان .

يتجدد اللقاء إن شاء الله .

[1] ــ أخرجه أحمد (9600) والبخاري (1206و3436) ومسلم (2550) واللفظ له

[2] ــ (البقرة :45)

[3] ــ (النمل : 62)

[4]ــ (الحج : 38)

[5] ــ (فاطر:43).

[6] ــ (يونس :62 -64)

[7] ــ (الأعراف :56)

[8] ــ أخرجه أحمد (2669و2804) والترمذي (2516)

.

 

[ عدد التعليقات : 0 ] [ 324 مشاهدة مشاهدة ] [ مصطلحات ذات صلة: ] [ التصنيف : الاعلام والسير ]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخر الاخبار

الملك سلمان لسلطان عمان : علاقاتنا متميزة وأتمنى لكم التوفيق في خدمة مصالح العمانيين (275 مشاهدة)

البيرق : فهد التركي . أجرى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - يوم أمس الأربعاء اتصالاً هاتفياً ، بجلالة السلطان هيثم بن طارق بن تيمور ، سلطان عُمان. . ونوّه الملك سلمان خلال الاتصال ، بمستوى العلاقات المتميزة بين ... التفاصيل

التفاصيل

العقار والخدمات العامة



المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي للصحيفة بل تمثل وجهة نظر كاتبها

جميع الحقوق محفوظة لـ صحيفة البيرق 2014

المهاد الذكية

المهاد الذكية