عاجل

8 فبراير، 2019

حديث الجمعة : عذاب يوم الظلة وضوابط التجارة

البيرق :  محمد الحمري

 

 

 

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اليوم نقف عند اعظم يوم عند الله عذابا انه “عذاب يوم الظلة” .
وعذاب يوم الظله يحكي لنا قصة نبينا شعيب عليه السلام  مع قومه واصحاب الأيكه وعاقبة عدم اتباع الانبياء والرسل والاستماع لنصحهم.

عذاب يوم الظله رساله ربانية ترسم للمجتمع ضوابط المعاملات التجارية بين البشر تحذر الناس من نماذج من البشر جعلت اسلوب تعاملها في التجارة، مبني على الغش والخداع والتلاعب بالموازين والمكاييل، المغالين في الاثمان اللذين يبَخْسون الناس حقوقَهم وأشياءَهم ويسعون ليفسدوا في الارض والحياة.
هذه الأفاعيل القبيحة، كان عاقبتها الحسرة والندامه والذل والهوان في الدنيا والأخرة .

 

شعيب عليه السَّلام

هو نبيّ الله شعيب بن ميكيل بن يشجر بن مدين، من نسل إبراهيم عليه السلام، وقيل هو ابن بنت نبيّ الله لوط، وقيل غير ذلك، وهو من الأنبياء العرب كما ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، اشتُهر بالفصاحة والبلاغة، وقد كلّفه الله -تعالى- بحمل الرسالة إلى قومه، فدعاهم إلى الإيمان، والتوحيد، وأمّا قبيلته فهي مدين، وهم قوم عرب سكنوا بلاد الحجاز، ممّا يلي جهة الشام، قريباً من خليج العقبة، قريباً من أرض معان، قريبة من أرض قوم لوط عليه السلام، حيث ذُكر ذلك في القرآن الكريم بقول الله تعالى: (وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ).
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أُمَّتَيْنِ: إِلَى قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ مَدْيَن ( ارض بالاردن ) َ، وَإِلَى أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ، وقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: أَرْسَلَ اللَّهُ شُعَيْبًا رَسُولًا إِلَى قَوْمِهِ أَهْلِ مَدْيَنَ، وَإِلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَهُمْ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ
َوالْأَيْك هوُ الشَّجَرُ الْمُلْتَفُّ الْكَثِيرُ الْوَاحِدَةُ أَيْكَة. وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أَهْلَ غَيْضَةٍ وَشَجَرٍ وَكَانَتْ عَامَّةُ شَجَرِهِمُ الدَّوْمَ وَهُوَ شَجَرُ الْمُقْلِ.
واستند المفسرون الى قوله تعالى ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ﴾ (سورة الأعراف: 85 )  وفي آية اخرى قال الله عز وجل: ﴿ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) ﴾ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) ﴾

كان قوم شعيب -عليه السلام- على دين إبراهيم عليه السلام، موحّدون، يعبدون الله تعالى، لكنّهم ما لبثوا أن غيّروا دينهم، وانحرفوا عن طريق التوحيد، فأنشغلوا عن عبادة ربّهم، بتجارتهم ، وأمولهم وقوافلهم التجارية بين اليمن والشام، وبين العراق ومصر، وسيطر حبّ المال والربح على تفكيرهم وأولويّاتهم، فطفّفوا المكيال، وغشّوا في بيعهم؛ طمعاً في تحقيق المزيد من الأرباح والأموال، و فسدت أخلاقهم فصاروا يقطعون الطرق على تجارة غيرهم، يسرقونها، ويخيفون أصحابها، ثمّ انحرفوا إلى عبادة شجر الأيك، فكانوا أصحاب الأيكة كما قال فيهم الله تعالى، هذا حالهم فيما كان نبيّ الله شعيب عليه السلام يجاهد في نصحهم ويدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك ما دونُه، وإلى الوفاء بالموازيين وتجنّب بخس النَّاس حقهم في البيع والشِّراء،﴿ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) ﴾
إلا انهم كفروا بقوله، وكذّبوه، واستهزؤوا به وبصلاته، وناصبوه العداء هو ومن آمن به من قومه فلم يطل بهم إنذار الله -تعالى- لهم، حتى أدركهم عذابه.

.

#عذاب يوم الظله

أَعْظَمِ يَوْمٍ فِي الدُّنْيَا عَذَابًا عذاب يوم الظله َقَالَ قَتَادَةُ: بَعَثَ اللَّهُ شُعَيْبًا إِلَى أُمَّتَيْنِ: أَصْحَابِ مَدْيَنَ وَأَصْحَابِ الْأَيْكَةِ فَأَهْلَكَ اللَّهُ أَصْحَابَ الْأَيْكَةِ بِالظُّلَّةِ، وَأَمَّا أَصْحَابُ مَدْيَنَ فَصَاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَهَلَكُوا أَجْمَعِينَ.

ْ وذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى صِفَةَ إِهْلَاكِ اصحابِ الأيكة فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ كُلُّ مَوْطِنٍ بِصِفَةٍ تُنَاسِبُ ذَلِكَ السِّيَاقَ،

.

فَي سورة الْأَعْرَافِ .

ذَكَرَ أَنَّهُمْ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا لشعيب ومن امن معه : ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الْأَعْرَافِ:٨٨] ،
فَأَرْجَفُوا بِنَبِيِّ اللَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَهُ، فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ. (﴿فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾ [الأعراف: ٩١] فاخذه الله بالزلزلة الشديده وكبوا على ركبهم ووجوههم من شدة الزلزلة التى نزلت بهم.

.

وَفِي سُورَةِ هُود
ٍ ذكر أنهم استهزؤوا بِنَبِيِّ اللَّهِ فِي قَوْلِهِمْ: ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هُودٍ:٨٧] . قَالُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالِازْدِرَاءِ، فَنَاسَب أَنْ تَأْتِيَهُمْ صَيْحَةٌ تُسْكِتُهُمْ، فَقَالَ عز وجل ﴿وَلَمّا جاءَ أَمرُنا نَجَّينا شُعَيبًا وَالَّذينَ آمَنوا مَعَهُ بِرَحمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذينَ ظَلَمُوا الصَّيحَةُ فَأَصبَحوا في دِيارِهِم جاثِمينَ﴾ [هود: ٩٤] فلما جاء أمر الله بإهلاك قوم شعيب والذين آمنوا معه برحمة منه ، اخذ الذين ظلموا من قومه بالصيحه وهو صوت شديد مهلك ، فأصبحوا بعد ذلك امواتا ساقطين على وجوههم، قد لصقت وجوههم بالتراب.

.

وَفي سورة الشعراء 187

قَالُ اصحاب الأيكة تعنتا وعنادا : ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ والقول هنا عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالْعِنَادِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَحِقَّ عَلَيْهِمْ مَا اسْتَبْعَدُوا وُقُوعَهُ.
﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
قَالَ قَتَادَةُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الْحَرَّ سَبْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى مَا يُظِلُّهُمْ مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَنْشَأَ لَهُمْ سَحَابَةً، فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا أَحَدُهُمْ وَاسْتَظَلَّ بِهَا، فَأَصَابَ تَحْتَهَا بَرْدًا وَرَاحَةً، فَأَعْلَمَ بِذَلِكَ قَوْمَهُ، فَأَتَوْهَا جَمِيعًا، فَاسْتَظَلُّوا تَحْتَهَا، فأجَّجتْ عَلَيْهِمْ نَارًا.

وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَير، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمُ الظُّلَّةَ، حَتَّى إِذَا اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ، كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الظُّلَّةَ، وَأَحْمَى عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ، فَاحْتَرَقُوا كَمَا يَحْتَرِقُ الْجَرَادُ فِي الَمقْلَى.

ومن سياق الآيات نجد ان اصحاب الأيكة مروا بألواناً متعدّدةً من العذاب؛ جزاء كفرهم وسوء أفعالهم، حيث أسكن الله الهواء عليهم سبعة أيّام، فشعروا بالحرّ الشديد الذي لم ينفع معه ظلّ ولا ماء، فخرجوا من ديارهم باتجاه البر ؛ باحثين عن ظلّ وراحة، فأرسل الله عليهم غيمةً عظيمةً، سُعدوا بها، وتنادوا يستظلّون بظلّها، فلمّا أقبلوا جميعاً في مكانٍ واحدٍ أذن الله -تعالى- للظُّلل أن ترميهم بالشرار والنار، ثمّ جاءتهم رجفة عظيمة زلزلت الأرض من تحت أقدامهم، وألقت بجثثهم على الأرض جاثمين على ركبهم مكبوبين على وجوههم لا حِراك لهم وزامن ذلك إرسال صيحة من السماء أسكتت أصواتهم، فكان هذا هلاكهم، ولقد مرّ بهم نبينا شعيب -عليه السلام- بعد ذلك بهم ، معاتبا، (وَقالَ يا قَومِ لَقَد أَبلَغتُكُم رِسالَةَ رَبّي وَنَصَحتُ لَكُم وَلـكِن لا تُحِبّونَ النّاصِحينَ).

       

المصادر :
تفسير ابن كثير
تفسير القرطبي
تفسير الطبري

 

 

.

[ عدد التعليقات : 0 ] [ 4٬375 مشاهدة مشاهدة ] [ مصطلحات ذات صلة: ] [ التصنيف : الدين والحياة ]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخر الاخبار

ولي العهد محمد بن سلمان يجري اتصالين بكل من رئيس المجلس السيادي في السودان والقيادي بقوى الحرية والتغيير السودانية . (67 مشاهدة)

البيرق :     أجرى صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع اليوم اتصالين هاتفيين بكل من رئيس المجلس السيادي في السودان الفريق أول عبدالفتاح البرهان، والقيادي بقوى الحرية والتغيير السودانية أحمد ربيع . وعبر سمو ... التفاصيل

التفاصيل

العقار والخدمات العامة



المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي للصحيفة بل تمثل وجهة نظر كاتبها

جميع الحقوق محفوظة لـ صحيفة البيرق 2014

المهاد الذكية

المهاد الذكية