عاجل

15 سبتمبر، 2018

بشائر العمل الخيري في الإسلام … الشيخ الدكتور مشرف على الحمراني

 .

البيرق : الشيخ الدكتور مشرف علي الحمراني

.    

 .

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد : فإنّ الله عز وجل قد أكمل لنا الدِّين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا.
فله الحمد على مزيد فضله ونعمه ، القائل في محكم التنزيل : ﴿لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ ﴾ [ إبراهيم : 7 ] .
وإنّ من أعظم مايستوجب شكر الله تعالى ؛ لهو توفيقه عباده الصالحين للبذل في سبيله ويخلفهم فيما قدّموا خيراً مما بذلوا ؛ فيضاعف لهم الأجور ويرفع درجاتهم في الجنات حتى يروا منازلهم في علياء الجنة ، بل ويغبطهم على مكانتهم هذه :

الأنبياء والرسل والمقربون من الملائكة ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
إنَّ البذل والعطاء سمةٌ من سمات المؤمنين لا يستطيعها كل أحدٍ ، ولكن كل ٌ ينفق بحسب قدرته ، ولايكلف الله نفساً الاّ وسعها ، ولايكلف الله نفساً الاّ ما آتاها ؛وكما قيل:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

                وتأتي على قدر الكرام المكارم

 

فهنيئاً لمن وفقه الله تعالى فجادت قريحته بالبذل والعطاء فامتثل مراد الله تعالى فيما آتاه من المال وسعة الرزق ؛ فأبت نفسه إلّا أن تكون نفس الكبار ، وأبت يده إلّا أن تكون اليد العليا . حقّاً إنّ البذل مع شح النفوس في زمنٍ انقبضت فيه الأيادي عن العطاء إلّا ماشاء الله ؛ لهو الانتصار الحقُّ على مطامع تلك النفوس وتعلقها بِلُعَاعَةِ الدنيا وحطامها الفاني .
قال تعالى :  ﴿ ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا ﴾ [ الكهف : 46 ] .

هذا وقد رغّب الله تعالى عباده المؤمنين في البذل والإنفاق ، ووعدهم على ذلك الأجر العظيم ومضاعفة المال ونماءه وبركته ، فقال تعالى  :  ﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ البقرة : 261 ] .
والإنفاق في سبيل الله والبذل والعطاء من المال في أوجه الخير من أفضل الأعمال وأزكاها، وهو مقدّم الذّكر والفضل في القرآن الكريم على بذل النفس تحت بارقة السيوف ؛ قرابة تسع مرات ، وكفى به شرفاً لصاحبه الذي يجود به لوجه الله تعالى ؛ أن تزكو به نفسه وتتطهرُ من رذائل الأنانية والأثرة والشح الذميم ، فترتقي إلى معارج الكمال والعطاء ، واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى؛ ولذا فقد صح عن النبي ﷺ أنه دعا على من صرف عبودية المال لغير الله تعالى فقال : ( تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم وتعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ) أخرجه البخاري وابن ماجة وصححه الألباني.
وعنه ﷺ   : ( لا حسد إلّا في اثنتين ) وذكر أحدهما : (رجلٌ آتاه الله مالاً فسُلط على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ) حديث صحيح أخرجه الترمذي وصححه الألباني .
وأخبر ﷺ أنّ المال الذي يقدِّمه صاحبه هو الذي سيبقى له فينتفع به ، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : أنهم ذبحوا شاةً ، فقال ﷺ   :   ( ” ما بقي منها ؟ ” قالت : ما بقي منها إلّا كَتفُها ، قال : ” بقي كلُها إلا كَتِفَها ” ) .
وفي صحيح البخاري أنّ رسول الله ﷺ سأل الصحابة رضوان الله عليهم فقال : ( أيّكم مال وارثه أحبُّ إليه من ماله ؟ ) قالوا : يا رسول الله ، ما فينا أحدٌ إلّا مالهٌ أحبَّ إليه ، فقال : ” فإنَّ ماله ما قدَّم ، ومالُ وارثه ما أخَّر ” ) .
كما أنَّ الله تعالى قد جعل أحد دوافع العمل الخيري الإخلاف بالزيادة في الدنيا والمثوبة في الآخرة ، قال تعالى : ﴿ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ﴾ [ سبأ : 39 ] .
وقال ﷺ فيما صح عنه : ( ما من يوم ٍيصبح العباد إلّا مَلَكَانِ ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً ) متفق عليه .
ومعلومٌ أنَّ ثمرة المال ونفعه لا يظهر إلّا لمن أنفق ماله فيما أمر الله تعالى به ؛ ومن ذلك بذله في عموم مصالح المسلمين التي تعود عليهم بالنفع ، ولا يعرف هذا حق المعرفة إلّا من جرَّب لذَّة الإنفاق ، والبذل والعطاء الخالص لوجه الله تعالى ؛ ولنا في أصحاب النبي ﷺ عظةٌ وعبرةُ ومنهم الصديق الأكبر أبي بكر رضي الله عنه حيث أنفق ماله كله في سبيل الله وقصته مشهورة حتى قال فيه النبي ﷺ  :  ( إنّ من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبوبكر )  رواه البخاري .

وكذلك ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه ، فإنَّه أنفق من ماله في مصالح المسلمين ، حتى قال فيه النبي ﷺ : ( ما ضرَّ عثمانَ ما عمل بعد اليوم ، ماضر عثمان ماعمل بعد اليوم ) رواه الترمذي وحسنه الألباني ؛ وهكذا أصبح الصحابة يتراءَوْن عثمان وهو أحدَ العشرة الذين وُعِدُوا بالجنَّة وأن يلقى الله تعالى شهيداً ، وهو الذي حفر بئر رومة ، وجهز جيش العسرة ، واشترى أرضاً لتوسعة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .
ومن ثمار البذل والعطاء قوله ﷺ : ( ما نقصت صدقةٌ من مالٍ ، بل تزده بل تزده ) رواه مسلم .
وقد تصدق أبو طلحة بحديقته لما أنزل الله تعالى ﴿ لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ ﴾ [ آل عمران : 92 ] .
وخرج أبو الدحداح رضي الله عنه من حائطٍ نخل ٍله لأجل نخلة واحدةٍ يقيم بها اليتيم حائطه . فقال عليه الصلاة والسلام : ( ربح البيع أو كلمة تشبهها ، ” كم عذقٍ معلَّقٍ في الجنة لأبي الدحداح ” ) . الطبراني في الكبير .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال : ( بينا رجل بفلاة من الأرض ، فسمع صوتاً في سحابة : اسق حديقة فلان ، فتنحّى ذلك السحاب ، فأفرغ ماءه في حَرّة ، فإذا شَرجةٌ من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله ، فتتبّع الماء فإذا رجلٌ قائمٌ في حديقته يحول الماء بمسحاته ، فقال له : يا عبد الله ، ما اسمك ؟ ، قال : فلان ، للاسم الذي سمع في السحابة ، فقال له : يا عبد الله ، لِمَ تسألني عن اسمي ؟ ، فقال : إنِّي سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه ، يقول : اسق حديقة فلان – لاسمك – ، فما تصنع فيها ؟ قال : أمّا إذ قلت هذا ، فإني أنظر إلى ما يخرج منها ، فأتصدق بثلثه ، وآكل أنا وعيالي ثلثه ، وأردُّ فيها ثلثه ) رواه مسلم .

في حرّة : الأرض الصلبة المغطاة بالحجارة السوداء .
الشَرْجة : طريق السيل من الهضاب ونحوها الى السهل .

ولا زال في المسلمين بحمد الله تعالى من يبذل من ماله ويتقرب به إلى الله تعالى وينافس في أبواب الخير الموصلة إلى الله جل وعلا كلها ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، يوضح هذا كله ما وقع لأهل الدثور ( الأموال ) من أصحاب النبي ﷺ ، كما جاء في الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه :  أنَّ ناساً من أصحاب النبي ﷺ قالوا له: يا رسول الله ، ذهب أهل الدثور ( الأموال الكثيرة ) بالأجور ، يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون بفضول أموالهم .

قال : ( أوليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون ؟ إن لكم بكل تسبيحةٍ صدقةٌ ، وكل تكبيرةٍ صدقةٌ ، وكل تحميدةٍ صدقةٌ ، وكل تهليلةٍ صدقةٌ ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ ، ونهيٌ عن منكرٍ صدقةٌ ، وفي بضع أحدكم صدقةٌ ) ، قالوا : يا رسول الله ، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجرٌ ؟ ، قال :  ( أرأيتم لو وضعها في حرامٍ ، أكان عليه وزرٌ ؟ فكذلك إذا وضعها في حلالٍ كان له أجرٌ ) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا : ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم ، فقال : وما ذاك ؟ قالوا : يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق ، فقال رسول الله ﷺ  :  أفلا أعلمكم شيئاً تدركون من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ؟ ولا يكون أحدٌ أفضل منكم إلّا من صنع مثل ما صنعتم ، قالوا :بلى يا رسول الله ، قال: تسبِّحون وتكبِّرون وتحمدون دبر كل صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين مرة . رواه مسلم

قال أبو صالح : فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا : سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله ، فقال رسول الله ﷺ  : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .

 

 

 

[ عدد التعليقات : 0 ] [ 1٬674 مشاهدة مشاهدة ] [ مصطلحات ذات صلة: ] [ التصنيف : مقـالات وكـتاب ]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخر الاخبار

البيان الختامى لقمة الرياض لدول مجلس التعاون الخليجي 2018 في دورته 39 (33 مشاهدة)

البيرق :  واس . صدر مساء اليوم البيان الختامي عن المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في دورته التاسعة والثلاثين , وفيما يلي نص البيان : البيان الختامي الصادر عن المجلس الأعلى في دورته (39) 2 ربيع الآخر 1440هـ الموافق 9 ديسمبر 2018م الرياض ... التفاصيل

التفاصيل

العقار والخدمات العامة



المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي للصحيفة بل تمثل وجهة نظر كاتبها

جميع الحقوق محفوظة لـ صحيفة البيرق 2014

المهاد الذكية

المهاد الذكية