مقـالات وكـتاب

بشائر العمل الخيري في الإسلام … الشيخ الدكتور مشرف على الحمراني

 .

البيرق : الشيخ الدكتور مشرف علي الحمراني

.    

 .

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف الأنبياء والمرسلين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وبعد : فإنّ الله عز وجل قد أكمل لنا الدِّين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا.
فله الحمد على مزيد فضله ونعمه ، القائل في محكم التنزيل : ﴿لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ ﴾ [ إبراهيم : 7 ] .
وإنّ من أعظم مايستوجب شكر الله تعالى ؛ لهو توفيقه عباده الصالحين للبذل في سبيله ويخلفهم فيما قدّموا خيراً مما بذلوا ؛ فيضاعف لهم الأجور ويرفع درجاتهم في الجنات حتى يروا منازلهم في علياء الجنة ، بل ويغبطهم على مكانتهم هذه :

الأنبياء والرسل والمقربون من الملائكة ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .
إنَّ البذل والعطاء سمةٌ من سمات المؤمنين لا يستطيعها كل أحدٍ ، ولكن كل ٌ ينفق بحسب قدرته ، ولايكلف الله نفساً الاّ وسعها ، ولايكلف الله نفساً الاّ ما آتاها ؛وكما قيل:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

                وتأتي على قدر الكرام المكارم

 

فهنيئاً لمن وفقه الله تعالى فجادت قريحته بالبذل والعطاء فامتثل مراد الله تعالى فيما آتاه من المال وسعة الرزق ؛ فأبت نفسه إلّا أن تكون نفس الكبار ، وأبت يده إلّا أن تكون اليد العليا . حقّاً إنّ البذل مع شح النفوس في زمنٍ انقبضت فيه الأيادي عن العطاء إلّا ماشاء الله ؛ لهو الانتصار الحقُّ على مطامع تلك النفوس وتعلقها بِلُعَاعَةِ الدنيا وحطامها الفاني .
قال تعالى :  ﴿ ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا ﴾ [ الكهف : 46 ] .

هذا وقد رغّب الله تعالى عباده المؤمنين في البذل والإنفاق ، ووعدهم على ذلك الأجر العظيم ومضاعفة المال ونماءه وبركته ، فقال تعالى  :  ﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ البقرة : 261 ] .
والإنفاق في سبيل الله والبذل والعطاء من المال في أوجه الخير من أفضل الأعمال وأزكاها، وهو مقدّم الذّكر والفضل في القرآن الكريم على بذل النفس تحت بارقة السيوف ؛ قرابة تسع مرات ، وكفى به شرفاً لصاحبه الذي يجود به لوجه الله تعالى ؛ أن تزكو به نفسه وتتطهرُ من رذائل الأنانية والأثرة والشح الذميم ، فترتقي إلى معارج الكمال والعطاء ، واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى؛ ولذا فقد صح عن النبي ﷺ أنه دعا على من صرف عبودية المال لغير الله تعالى فقال : ( تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم وتعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ) أخرجه البخاري وابن ماجة وصححه الألباني.
وعنه ﷺ   : ( لا حسد إلّا في اثنتين ) وذكر أحدهما : (رجلٌ آتاه الله مالاً فسُلط على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ) حديث صحيح أخرجه الترمذي وصححه الألباني .
وأخبر ﷺ أنّ المال الذي يقدِّمه صاحبه هو الذي سيبقى له فينتفع به ، فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : أنهم ذبحوا شاةً ، فقال ﷺ   :   ( ” ما بقي منها ؟ ” قالت : ما بقي منها إلّا كَتفُها ، قال : ” بقي كلُها إلا كَتِفَها ” ) .
وفي صحيح البخاري أنّ رسول الله ﷺ سأل الصحابة رضوان الله عليهم فقال : ( أيّكم مال وارثه أحبُّ إليه من ماله ؟ ) قالوا : يا رسول الله ، ما فينا أحدٌ إلّا مالهٌ أحبَّ إليه ، فقال : ” فإنَّ ماله ما قدَّم ، ومالُ وارثه ما أخَّر ” ) .
كما أنَّ الله تعالى قد جعل أحد دوافع العمل الخيري الإخلاف بالزيادة في الدنيا والمثوبة في الآخرة ، قال تعالى : ﴿ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ﴾ [ سبأ : 39 ] .
وقال ﷺ فيما صح عنه : ( ما من يوم ٍيصبح العباد إلّا مَلَكَانِ ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكاً تلفاً ) متفق عليه .
ومعلومٌ أنَّ ثمرة المال ونفعه لا يظهر إلّا لمن أنفق ماله فيما أمر الله تعالى به ؛ ومن ذلك بذله في عموم مصالح المسلمين التي تعود عليهم بالنفع ، ولا يعرف هذا حق المعرفة إلّا من جرَّب لذَّة الإنفاق ، والبذل والعطاء الخالص لوجه الله تعالى ؛ ولنا في أصحاب النبي ﷺ عظةٌ وعبرةُ ومنهم الصديق الأكبر أبي بكر رضي الله عنه حيث أنفق ماله كله في سبيل الله وقصته مشهورة حتى قال فيه النبي ﷺ  :  ( إنّ من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبوبكر )  رواه البخاري .

وكذلك ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه ، فإنَّه أنفق من ماله في مصالح المسلمين ، حتى قال فيه النبي ﷺ : ( ما ضرَّ عثمانَ ما عمل بعد اليوم ، ماضر عثمان ماعمل بعد اليوم ) رواه الترمذي وحسنه الألباني ؛ وهكذا أصبح الصحابة يتراءَوْن عثمان وهو أحدَ العشرة الذين وُعِدُوا بالجنَّة وأن يلقى الله تعالى شهيداً ، وهو الذي حفر بئر رومة ، وجهز جيش العسرة ، واشترى أرضاً لتوسعة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .
ومن ثمار البذل والعطاء قوله ﷺ : ( ما نقصت صدقةٌ من مالٍ ، بل تزده بل تزده ) رواه مسلم .
وقد تصدق أبو طلحة بحديقته لما أنزل الله تعالى ﴿ لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ ﴾ [ آل عمران : 92 ] .
وخرج أبو الدحداح رضي الله عنه من حائطٍ نخل ٍله لأجل نخلة واحدةٍ يقيم بها اليتيم حائطه . فقال عليه الصلاة والسلام : ( ربح البيع أو كلمة تشبهها ، ” كم عذقٍ معلَّقٍ في الجنة لأبي الدحداح ” ) . الطبراني في الكبير .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال : ( بينا رجل بفلاة من الأرض ، فسمع صوتاً في سحابة : اسق حديقة فلان ، فتنحّى ذلك السحاب ، فأفرغ ماءه في حَرّة ، فإذا شَرجةٌ من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله ، فتتبّع الماء فإذا رجلٌ قائمٌ في حديقته يحول الماء بمسحاته ، فقال له : يا عبد الله ، ما اسمك ؟ ، قال : فلان ، للاسم الذي سمع في السحابة ، فقال له : يا عبد الله ، لِمَ تسألني عن اسمي ؟ ، فقال : إنِّي سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه ، يقول : اسق حديقة فلان – لاسمك – ، فما تصنع فيها ؟ قال : أمّا إذ قلت هذا ، فإني أنظر إلى ما يخرج منها ، فأتصدق بثلثه ، وآكل أنا وعيالي ثلثه ، وأردُّ فيها ثلثه ) رواه مسلم .

في حرّة : الأرض الصلبة المغطاة بالحجارة السوداء .
الشَرْجة : طريق السيل من الهضاب ونحوها الى السهل .

ولا زال في المسلمين بحمد الله تعالى من يبذل من ماله ويتقرب به إلى الله تعالى وينافس في أبواب الخير الموصلة إلى الله جل وعلا كلها ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، يوضح هذا كله ما وقع لأهل الدثور ( الأموال ) من أصحاب النبي ﷺ ، كما جاء في الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه :  أنَّ ناساً من أصحاب النبي ﷺ قالوا له: يا رسول الله ، ذهب أهل الدثور ( الأموال الكثيرة ) بالأجور ، يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون بفضول أموالهم .

قال : ( أوليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون ؟ إن لكم بكل تسبيحةٍ صدقةٌ ، وكل تكبيرةٍ صدقةٌ ، وكل تحميدةٍ صدقةٌ ، وكل تهليلةٍ صدقةٌ ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ ، ونهيٌ عن منكرٍ صدقةٌ ، وفي بضع أحدكم صدقةٌ ) ، قالوا : يا رسول الله ، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجرٌ ؟ ، قال :  ( أرأيتم لو وضعها في حرامٍ ، أكان عليه وزرٌ ؟ فكذلك إذا وضعها في حلالٍ كان له أجرٌ ) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا : ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم ، فقال : وما ذاك ؟ قالوا : يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق ، فقال رسول الله ﷺ  :  أفلا أعلمكم شيئاً تدركون من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ؟ ولا يكون أحدٌ أفضل منكم إلّا من صنع مثل ما صنعتم ، قالوا :بلى يا رسول الله ، قال: تسبِّحون وتكبِّرون وتحمدون دبر كل صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين مرة . رواه مسلم

قال أبو صالح : فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا : سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله ، فقال رسول الله ﷺ  : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock