عاجل

15 نوفمبر، 2015

الزرقوي وديكارت في معادلة الحلم …. للكاتب جمعان الكرت

البيرق – الكاتب جمعان الكرت

مقالات الكاتبجمعان الكرت

.

 

 

.

 

يستهل الشاعر عبدالله الزرقوي قصيدته بكلمة «اتفكر» والتفكير يحرض العقل على التماهي في سبر أغوار القضايا، وكذا السباحة في بحر الخيال، وليثبت الإنسان وجوده، عليه بالتفكير، مثلما أشار الفيلسوف ديكارت في مقولته الشهيرة (أفكر إذن أنا موجود)
ذهب تفكير الزرقوي في مناني رابعة، ويقصد بها الأمنيات التي ينشدها ويسعى لتحقيقها، وانثالت تلك الأماني في ليلة ربيعية يتسلل ضوء القمر من بين هالات السحاب كخيوط الفضة، فيما يخضب المكان أنسام البعيثران والريحان، فجاء حلمه بأن يكون شيخا كلمته نافذة ويكون رأيه مرجحا سيما وأن الشيخ وقتها يحظى وما زال بمكانة اجتماعية، ولما كانت هذه الأمنية يصعب عليه تحقيقها لأسباب يلخصها بأنها «جايرة وتعيبة»، حتى يكون شيخا مهيبا لابد أن يمتلك المال حتى يغدق منه في قرى الضيوف الكثر، ويحتاج إلى قوة الجسد وبلاغة الحديث مع وجود رجال يساندونه، فالشياخة ليست لبس مشلح أو ارتداء صديرية أو حمل خيزرانة، ولو كانت تلك لسهل شراؤها واقتناؤها،
نكص “شاعرنا” عن هذا الحلم لينحو نحو التجارة، وتلك المهنة لا يمكن أن تقوم دون المال حتى يؤسس دكانا له بمبلغ لا يقل عن ألف ريال، وهذا مبلغ كبير جداً قياسا بالزمن الذي كان يعيشه، وحتى ينفك وجد أن ليست بتلك العيشة التي ينشدها بحجة غلاء البضائع وكسادها دون حركة البيع، هنا يستدرج ذاته نحو التخفي دون الظهور أمام الناس وينكشف حاله وضعف إمكاناته، وأيضا خوفه أن يكون أضحوكة بين أفراد جماعته وهذا ما لا يرضاه الشاعر على نفسه، واختصر موقفه بمثل شعبي دارج ( التغبي ولا بداوة السوق )، ليصرف نظره عن حلم التجارة إلى مهنة تحتاج إلى قوة جسمانية، وهي بناء المنازل الحجرية، ليقدم صورة شعرية باهرة للذين يقومون ببناء وتشييد المنازل الحجرية.

«رحت لا ون للبناية ربشات وزهملة…………. ……..
الثلاثة يقلعون الحيد والباني على المدماك»

هذا الوصف الدقيق لطريقة البناء وكأن كاميرا تلتقط المشهد، حيث يدفع الحماس البنائين لحث بعضهم بعضا بأصوات تارة منخفضة وأخرى مرتفعة، فيما يقف الباني على المدماك والآخرون يقلعون الحيد يقصد بها الحجارة الضخمة، التي تستخدم في بناء المنازل الحجرية، في مشهد متحرك وعندما اقترب منهم وجد أن عملهم فيه مشقة كبيرة، لحملهم الأحجار الكبيرة ورفعها فوق المدماك لإتمام البناء. جسمه النحيل وبنيته الضعيفة لا تساعدانه على امتهان هذه الحرفة، فيدير لها ظهره ويرتحل إلى مهنة سهلة وهي النجارة، إلا أنه يفشل لكونها تحتاج إلى مهارة يدوية وفكرية ليتجه للحياكة، وهي كذلك لها تبعاتها في تعرض الخياط إلى آلام في الظهر، وما كان منه إلا ملاحقة الخراف والمعز وتلك أيضا تحتاج إلى جلد وصبر،
بعدها فكر أن ينحو إلى مهنة لا تحتاج إلى قوة جسمية، وأقرب شيء لذاته أن يصبح شاعرا لتنهال عليه القصائد كالبروق، مرات تسبب في هطول الشعر ومرات يحل بالذاكرة الجفاف دون تمكنه من إلقاء قصيدة واحدة، عندها دفعه حلمه لأن يكون فقيها وكانت المشكلة في وجود الجماعة بين لعب وسهو، لا يجدي معهم النصح والإرشاد، لتكون حرفة الزراعة مبتغاه، إلا أنها تحتاج أدوات يعرفها المزارع وتكون حاضرة له، وحين قرر حرث الأرض لم يجد الثور الذي يحرث به واللومة لعزق الأرض والغرب لرفع الماء من البئر، وكذلك الرشا والمقاط حبال مصنوعة من الجلد موصلة بالمحالة والدارجة وهي مصنوعة من الخشب على شكل بكرتين ضخمتين لتسهل للحبال انتزاع الغرب بالماء الذي في جوفه ليفرغه في قف البئر، ويسترسل في وصف الأدوات مثل المضامد والسهمان وهي من شجر العتم المعروف بصلابة خشبه والزرر لربط المضمد، والمسحاة والمحش، أفاض الشاعر في تقديم وصف مثير لاحتياجات المزارع،
فالأحلام لا يمكن أن تتحقق دون وجود المتطلبات، ليعود مستذكرا حمى الحلم بما أسماها رابعة، لتأخذه من بعد صلاة العشاء حتى الصباح، فكلما ذهب حلمه إلى أمنية يريدها انزاح، وهكذا مر على كثير من المهن التي لا يستطيع مجاراتها لتنطفئ جذوة الفرح ويجدف بمجداف مكسور في بحر متلاطم من الأحلام التي انتثرت عليه، فكلما اكتمل بناء الحلم تقوض، ليصبح رمادا، إنه حلم الزرقوي الذي عاشه قبل مائة عام..

.

.

المصدر : الشرق

.

 

.

 

قصيدة الشاعـر – الزرقوي (رحمه الله )
.
.
أتفكر في مناني رابعه والليل مانوّيــه
قلت بغدي اشيخ لاون الشياخه جايره وتعيبه
في صحون وفي ذراع وفي لسان وفي رجال وقال
مابنا لو كان مشلح وصديريه وخيزران
كان بغدي وسط مكه واشتريها واسمها كفَـاها
باليه والا جديده شي بقرش وشي بلاش
قلت مالي بالشياخه غير بغدي ابتاع واشتري
جيت لاون البضاعه غاليه ماعـاد فيها عيشه
ألف ماعاد يعمر الدكان يالله لافضحتنا
قلت وانا يــّا هنا بعض التغبـّا ولا بدايا السوق
قلت مالي بالتجاره مير بغدي ابني مع البنايه
رحت لاون للبـّنايه ربْـشات وزهمله
الثلاثه يقلعون الحيد والباني على المدماك
قلت مقدر للبنا بغدي المح لي لمِهْرْه سهله
وغديت انجر وبيت اعرف وقلت اتعلم الحـِبـّاك
وانكسر ظهري ورحت ارعى وابيت اصبر كما الرعيان
قلت بغدي شاعراً لا والقصايد مثل نو المرزم
مرة يخطي ومره يغدي ارض الله دمايسي
قلت بتفيقه ولا ون الجماعة لَــعـَبــَه وسْــمَاه
قلت مالي بالفقاهه باتعلم علمة الزرَّاعه
وسرحت الاوهي متباعده عني عـِدَادْهـَا
مامعي ثور ولا لومه ولاغرب ولا سهمان
ثم هي تبغى رشا ومقاط والمحال والدّراجي
والمضامد والمساحي والزرر ومحاش
وسرت بي رابعه من يوم صليت العشا للصباح
مثل من يبني ولا قر البنا حيـّر وهــدّ بنــاه

.

[ عدد التعليقات : 3 ] [ 2٬744 مشاهدة مشاهدة ] [ مصطلحات ذات صلة: ] [ التصنيف : ساحة الأدب والخواطر, مقـالات وكـتاب ]

3 ردود على “الزرقوي وديكارت في معادلة الحلم …. للكاتب جمعان الكرت”

  1. يقول عبد الناصر الزهراني:

    تحية وتقدير للأستاذ المبدع بحق جمعان الكرت فقد ابدع في هذا المقال في استخراج معانٍ مبهمة في قصيدة الشاعر الكبير عبد الله الزرقوي. شكرا استاذنا الفاضل جمعان الكرت

  2. يقول القلم:

    شكرا للاستاذ المبدع جمعان الكرت

    مناني رابعه اصبحت مثلا يشاع ومثلا دارجا يقال
    مناني رابعه تجسد واقعا يعيشه كثير من ابناء مجتمعنا في البحث عن الذات
    القصيده تجسدت في اماني واحلام شخص ( ما) يبحث في اعماق نفسه عن نفسه ويختبر قدراته في مواجهة اصناف العمل بغية ان يعيش عفيف اليد كريم النفس عالى المقام بين ربعه وقومه .

    هذا النموذج الذي رسمه لنا الشاعر ،،، ممتد عبر الازمان وباقي على مر الليالي والايام ولن ينقطع نسله
    انها رسالةالشاعر لكثير من الشباب الذين يبالغون في الاحلام ولا يواجهون الواقع ،
    رساله الى من ينسجون الاحلام بالليل وتتبخر مع انبلاج الصباح وتمر سنين عمره فلا مسارا اختار ولا دربا سلك

    هذه الفئه ما ان تسمع امانيها حتى تردد ” مناني رابعه ”

    رحم الله الزرقوى وتغمده بواسع رحمته

  3. يقول أحمد حامد .. أبومهند:

    في موضوع الزرقوي ومعادلة الحلم أبدع الكاتب جمعان الكرت في سبر أغوار هذاالحلم وغاص في أعماق الكلمة ليستخرج لنا من بحر المعاني ددرر ولألئ زينت مشهد هذا الحلم لأمنيات الزرقوي فبين مراحل تلك الأمنيات وتعثر تحقيقها وذلك يظهر جليّا في قصيدته التي تعمق الكاتب في ايضاحها
    بالتفصيل لتلك الأمنيات من خلال تحليل النص تحليلاً مبدعا وبيان كيفية توضيف المفردات التي
    تبين ثقافة ذلك المجتمع آنذاك فما أجمل ماسطره الكاتب ومأجمل ماوصفه الزرقوي في قصيدته..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخر الاخبار

معالي مدير جامعة الباحة يتفقد مشروع إنشاء مدرسة تعليم قيادة المركبات للسيدات (23 مشاهدة)

البيرق : تفقد معالي مدير جامعة الباحة الأستاذ الدكتور عبدالله بن يحيى الحسين، مشروع إنشاء مدرسة تعليم قيادة المركبات للسيدات، والتي تعد المدرسة الأولى من نوعها بالمنطقة التي تستهدف تقديم خدمات التعليم والتدريب على قيادة المركبات للنساء، يرافقه المشرف العام على إدارة الاستثمار ... التفاصيل

التفاصيل

العقار والخدمات العامة



المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي للصحيفة بل تمثل وجهة نظر كاتبها

جميع الحقوق محفوظة لـ صحيفة البيرق 2014

المهاد الذكية

المهاد الذكية