مقـالات وكـتاب

الجانب الذي لا تعرفه عن نفـسك – للكاتب فهد عامر الاحمدي

 

 

البيرق – متابعات


فهد عامر الأحمدي فهد عامر الاحمدي

 

الجانب الذي لا تعرفه عن نفـسك

 

التعذيبفي المرحلة المتوسطة تعلقت بكتب علم النفس وقرأت منها أكثر من طلاب الكليات المتخصصة.. وفي حين تبخرت معظم التفاصيل هذه الأيام (ولم يبق منها سوى الشعور بالفهم والألفة) رسخت في ذاكرتي تجارب غريبة ودراسات مميزة يصعب نسيانها…

ومن هذه الدراسات تجربة نظمتها جامعة ييل الأمريكية في مطلع الستينات.. كان الهدف منها معرفة مدى إطاعة الناس المسالمين (مثلي ومثلك) للسلطة وإلى أي مستوى يمكنهم تنفيذ أوامرها القاسية.. وهكذا طلبت متطوعين مدنيين للمشاركة في التجربة دون إخبارهم بهدفها الحقيقي وادعت أنها دراسة خاصة لقياس مستوى “التعلم من خلال التنبية الجسدي”..

وكانت التجربة تعتمد على وجود مُعلم (يمثله أحد المتطوعين) ومتعلم (يقوم بدوره ممثل اتفقت معه الجامعة على تمثيل دور الضحية)…

كان يطلب من المتعلم (الموثق إلى كرسي كهربائي) تذكر مجموعة من الكلمات الأجنبية، وحين يخطئ أو يتوقف عن الإجابة يحق “للمعلم” صعقه بالكهرباء.. وكانت حدة التيار تتدرج في شدتها بحيث يمكن “للمعلم” (المتطوع موضوع الدراسة) رفعها درجة كلما أخطأ المتعلم في تذكر الكلمة التالية..

والغريب أن معظم المتطوعين (الذين يمسكون زر الصاعق) لم يترددوا في رفع شدة التيار رغم مظاهر الألم والصراخ والتوسل الذي يطلقه المتعلم (الذي كان يمثل بطبيعة الحال)..

وكان استعداد المتطوعين المدنيين لتعذيب الغير مفاجئاً وغير متوقع حتى للمشرف على التجربة الدكتور ستانلي ميلجرام.. كان استعدادهم لإطاعة أوامره واستمرارهم في تشغيل التيار (لمصلحة التجربة) لا يكاد يقف عند حد.. كان مرعباً ومخيفا لأن من بين هؤلاء المتطوعين آباء وأمهات وطلاب جامعة مسالمين لم يؤذوا أحداً أو يخالفوا القانون خلال حياتهم..

صحيح ان معظم الناس يرفضون القيام بهذه المهمة مسبقاً، ولكن اتضح أن تواجدنا في موقف الجلاد يقودنا لتنفيذ الأوامر بحجج كثيرة نبررها لأنفسنا مثل: إن لم أفعل هذا سيفعله غيري، أو إن لم أفعل هذا سأكون مكانه، أو لماذا يوافق على وجوده في هذا المكان…

كانوا ببساطة يتصرفون وفق جانب إنساني مظلم وخفي ولا يظهر إلا في ظل وجود نظام محكم وسلطة أقوى كسلطة القادة على الجنود..

اتضح من خلال استمرارهم في تعذيب الضحية أن الجلادين والطغاة ليسوا بالضرورة قساة بل قد يكونون مجرد آباء لطفاء في حياتهم العادية (وليس أدل على ذلك من حب هتلر للأطفال، وهولاكو للقطط، واستسلام القذافي لضربات أحفاده)..

أوضحت هذه التجربة كيف يمكن لشعب راق ومتعلم كالألمان الاستسلام للسلطة النازية وتنفيذ أوامرها في إبادة الشعوب الأخرى..

أوضحت كيف يمكن لشعب مؤدب وخجول مثل اليابانيين القيام بمجازر فظيعة في كوريا والصين ودفن الناس أحياء في مدينة يانكين..

أوضحت كيف يمكن لأبناء الشعب الواحد جزر بعضهم البعض (كما حصل في روندا ويوغسلافيا ويحصل حاليا في سورية والعراق)..

أوضحت أنهم لا يفعلون ذلك بسبب الحقد الطائفي أو العرقي (الموجود أصلاً من قبل) بل بسبب وجودهم تحت نظام جائر وامتلاكهم استعداداً عميقاً لإطاعة السلطة رغم إدراكهم لحجم الظلم والمعاناة التي تمر بها الضحية!!

نتائج هذه التجربة صعقت حتى علماء النفس لدرجة كررها بعضهم على سبيل التأكد في حين نظم البعض الآخر تجارب أكبر منها وأشمل (لا تتسع المساحة لاستعراضها) ولكنها أكدت النتائج المرعبة التي خرجت بها تجربة ييل !!

… أنا شخصياً لم أستطع نسيان هذه التجربة لأنني ببساطة أتذكرها كلما فتحت التلفزيون وسمعت بمجزرة جديدة نفذها البشر ضد بعضهم البعض!!

 

المصدر: الجانب الذي لا تعرفه عن نفسك

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. احيانا نخضع لظروف نفسيه في داخلنا لانستطيع التعبير عنها واحيانا تكون في داخلنا ولكن لانعلم عنها وعند تعرضنا لمواقف مختلفه نجد ان احد المواقف كشف عن جانب دفين في داخلنا لانعلم نحن انفسنا بوجوده اصلا
    واحيان تكون دوافع نفسيه مترسبه في داخلنا ولكن لم تجد طريقه انفرغ من خلالها تلك الرسبات واحيان لانجد من يساعدنا للتخلص منها لضعف في داخلنا نكون بطبيعتنا مسالمين فقط لنعيش ولكن من المستحيل ان نفوت فرصه بين ايدينا وان كانت تؤلم الاخرين
     واحين تكون الفرصه لتجربه كهذه الفرصه البائسه لاختبار مشاعرنا ومدي احساسنا بالاخربن 
    فا الكل معذب والكل يعاني ولكن لكل منهم تجربته واحيانا الظروف تجبرنا لفعل اشياء لسنا براصين عنها وتمنعنا انسانيتنا اسال الله العلي القدير ان تظل قلوبنا مليئه بالموده والرحمه فهذا الموضوع يطول الحديث عنه لانه يحتاج لايام طويله حتى نستطيع استخراح شيئ بسيط من نوايا بني البشر اللذين يعيشون ع قاعده كئيبه وهي ان لم تكن ذئبا اكلتك الذئاب فكشرو عن انيابهم دون فهم معنى هذا المثل فاصبح هباله 

  2. ممارسة تعذيب الاخرين  هل هو الاستـسـلام لأوامر السلطه ، ام انها رغبه داخليه في الفرد  لا يتردد في ممارستها  بمجرد الحصول عل الضوء الاخضر
    مقال يجب التوقف عنده فعلا ،،، مثيره الدراسه ونتائجها  مؤلمه ان تكون هذه طبيعة النفس البشريه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site is protected by reCAPTCHA and the Google Privacy Policy and Terms of Service apply.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock