عاجل

10 أغسطس، 2018

مكانةالعلماء وفضلهم … الدكتور محمد بن سرار اليامي

البيرق :  الدكتور محمد بن سرار اليامي

 

هذا المقال أكتبه وكلى أمل أن يطالعه القارئ الكريم، وأن يتأمل مسيس الحاجة لمعانيه، والتأكيد على مبانيه، وإشاعةأفكاره، ونشر تذكاره، في المحافل، والمدارس، والمساجد، والمجالس .. إذ لابد للدارج إلى مدارك العلم من معرفة مكانة العلماء ومنزلتهم، وقديما قيل:
ياعلماء الدين ياملح البلد،
ولقد اعتبرت الشريعة الإسلامية للعلماءِ منزلة عالية، وهذا الاعتبار اعتبار شرعي، وينبني عليه أمران مهمان:

_

الأول:أن طاعتهم في محكمات الإسلام طاعة لله جل وعز ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

_
الثاني: أن طاعتهم ليست مقصودة لذاتها بل هي تبعٌ لموافقتهم أمرالله جل وعزوأمررسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. والأدلة كثيرة ، منها:

 

الدليل الأول:
أمر الله جل وعز بطاعتهم في طاعة الله ورسوله:؛ يقول الله جل وعز:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، وقد اختلف المفسرون في أولي الأمر ؛ منهم؟على أقوال؛ فقيل:

 هم الحكام وذوو القدرة. وقيل:هم العلماء …
والمتجه أن الجمع حاصل، فهم الحكام والعلماء كما ذكر ذلك ابن عباس رضي الله عنهما.

الدليل الثاني:
أن الله جل وعز أوجب الرجوع إليهم وسؤالهم عمَّا أشكل؛

يقول الله تبارك وتعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)} [النحل: 0143]، سؤال أهل الذكر إنما هو لطلب معرفة الشيء على وجهه الصحيحَّ، فكل من يذكر في شأن فهومن أهل الذكر فيه ،ومن استفاض ذكره في شأن العلم بشرع الله فهو من أهل الذكر فيه..
وما العلماء إلابمثابة الأدلاء فبهم يُعرَف حكم الله، ويستعان بفهمهم لفهم مراد الله جل وعز،ومراد رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا أن طاعتةالله ورسوله مقصودة لذاتها..

الدليل الثالث:
أن الله جل وعز عَظَّم قدرهم فأشهدهم على أعظم مشهود شهد به،وشهدت به ملائكته يقول جل وعز:
{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18].
قال الإمام القرطبي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (في هذه الآية دليلٌ على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم، فإنه لو كان أحدٌ أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه، واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء).

الدليل الرابع:
أن الله جل وعز نفى التسوية بين من يعلمون وبين من لايعلمون ؛فقال:
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9]، فنفى التسوية بين أهل العلم وأهل الجهل.

الدليل الخامس: هم أهل الفهم التام عن الله جل وعز
قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43)} [العنكبوت: 43].
قال الإمام السعدي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
(وهذا مدحٌ للأمثال التي يضربها، وحثٌّ على تدبرها وتعلقها، ومدحٌ لمن يعقلها، وأنه عنوانٌ على أنه من أهل العلم، فعلم أن من لم يعقلها ليس من العَالِمين).

الدليل السادس:
أنهم ، هم أهل خشيةالله التامة على الحقيقة:
يقول جل وعز :
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]. وإنما كان العلماء أهل خشية الله؛ لكمال علمهم، فكلما كان الإنسان بالله أعرف كان له أحب، ولما عنده أرجى، ومما عنده أخوف.

الدليل السابع: أنهم من أبصر الناس بالشر ومداخله؛وأحوله، قال الله جل وعز:
{قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27)} [النحل: 27].
قال الإمام السعدي:
(وفي هذا فضيلة أهل العلم، وأنهم الناطقون بالحق في هذه الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، وأن لقولهم اعتبارًا عند الله وعند خالقه).

 

الدليل الثامن:

أنهم ورثة الأنبياء، فعن أبي الدرداء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: سمعتُ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول:

«فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكنهم ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر».

 

الدليل التاسع:
أنهم المبلِّغون عن الأنبياءعليهم السلام؛ قال الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«تسمعون ويسمع منكم، ويُسْمَعُ ممن يسمع منكم»
فبيَّن عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أن هذا العلم يؤخذ بالتلقي وكل جيل من أهل العلم يُبَلِّغُهُ لمن بعده ..

الدليل العاشر:
أن الله جل وعز أراد بأهل العلم الخير، لماثبت عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«من يرد الله به خيرا يفقه في الدين»

وإذا كان الله جل وعز قد أراد بهم الخير ففقَّههم في الدين وعلَّمهم التأويل، وخصهم بذلك، فقد خُصُّوا بشرف عظيم ..

الدليل الحادي عشر:
إن يُقبض العلماء يهلك كثير من الناس ،ويزلوا ويتخبطوا
فعن عبد الله بن عمرو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبْق عالمًا، اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضَلُّوا وأضلُّوا»
وذهاب العلم إنما هو بذهاب العلماءوموتهم فعن ابن عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: (أتدرون ما ذهاب العلم؟)، قلنا: لا، قال: (ذهاب العلماء).

الدليل الثاني عشر:
مسيس الحاجة لهم فلقد ضرب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المثل للعلماء بالنجوم: فعن أنس بن مالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

«إنما مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضلَّ الهداة»

فقد شَبَّه العلماء بالنجوم، والنجوم لها فوائد  منها؛
* أنها علامات للناس يهتدون بها في الظلمات، يقول الله جل وعز:

{ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16].

*ومنها ،أنها زينة السماء، يقول الله جل وعز: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [الملك: 5].

*ومنها، أنها رجوم للشياطين، يقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} [الملك: 5].

إنه وقد تقرر أن للعلماء اعتبارا في الشريعة، فإنه لابد من التأكيد على مدارك المدارج إليهم :

الأول: أنه إذا قلنا أن للعلماء اعتبارا فليس معنى هذا تقديس ذواتهم وأشخاصهم، قال ربناجل وعز: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]، بل إن طاعة العلماء عندنا، واعتبار العلماء في شرعنا ليس مقصودًا لذاته، بل لما قام فيهم من العلم بالله والعلم عن الله جل وعز؛  والناس في هذا الأمر بين طرفين ووسط؛
فمهدر لمنزلة العلماء، مستخف بها، وهؤلاء يشبهوا الخوارج، لأن فيهم جرأة على العلماء، ورميهم بالتهم الباطلة جزافا، حتى سمعنا من يقدح في كبار أئمةالعلم من السلف والخلف، وهذا والله منزع الخوارج، فإذا شممت منهم سوء أدب مع العلماء فاحذر مجالستهم، فإنما هي الدركة الأولى للخروج من ربقة جماعة المسلمين  وإمامهم .

ثم إن هناك طرف آخر يجعل للعلماء القداسة بحيث لا يُسألون عما يفعلون، وهذا باطلا بلاشك …
ووسط هداه الله جل وعز، فحفظوا لأهل العلم أقدارهم وليس لهم قداسة في ذواتهم وأنهم غير معصومين عن الخطأ، وأن طاعتهم إنما تجب باعتبار أنهم طريق لطاعة الله عَزَّ وَجَلَّ ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقبلوا منهم العلم ، وتفهموا منهم المسائل ، وإن أشكل عليهم شيء سألوا بأدب السؤال، وإن أخطأ أحدهم، غمروها في بحار حسناته، وناصحوه بالحسنى، وبينوا حججهم وأدلتهم ردا على خطأه، وصوبوا الردود على الخطأ لاعلى المخطىء، فالعلم رحم بين أهله، وحفظوا سابقة الود ، ورحم الله عبدا أبقى للصلح موضعا ..

الثاني:
أنَّ منزلة العلم والعلماء جاءت عن طريق الشرع وإنَّه لا يرفع عنها هذا التقدير إلا الشرع المطهر ..

 

بقي أن أقول :
إن التشغيب على العلماء ،ونعتهم بالضعف، واتهام نواياهم ومقاصدهم، ووصمهم بأوصاف قبيحةيستحي منها ذووا الحجى من الناس، كقولهم، هؤلاء طلاب دنيا، أو أنهم تنازلوا ولم يثبتوا على الحق،أو أنهم يطبلون للباطل ويسوغونه ،أو أنهم غلبتهم مصالحهم، أو أنهم جبنوا عن بيان الحق .. فيه وجه خروج عن سبيل المؤمنين، وخرق لأدب الدنيا والدين، وجحود لحق هؤلاء المجاهدين، وهدم لقدوات المسلمين، ولايحمل هذه الخطة إلا جاهل ذهب عقله، أو مبتدع خارجي ذهب دينه،نسأل الله العافية، والسلامة، و سلام الله عليهم ماخفقت الأعلام ، وخطت المحابر والأقلام … وعليكم السلام أيضا ..

وكتبه
د.محمد بن سرار اليامي
أستاذ الثقافة المساعد بكليةالشريعة وأصول الدين بجامعة نجران 

المصدر : الدعوة – العدد _2655
1439/11/20

 

 

 

[ عدد التعليقات : 0 ] [ 1٬377 مشاهدة مشاهدة ] [ مصطلحات ذات صلة: ] [ التصنيف : مقـالات وكـتاب ]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اخر الاخبار

العقار والخدمات العامة



المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي للصحيفة بل تمثل وجهة نظر كاتبها

جميع الحقوق محفوظة لـ صحيفة البيرق 2014

المهاد الذكية

المهاد الذكية